ونحسب أن المنعة في العشق أو الاستعصام في العلاقات بين الرجال والنساء مصلحة طبيعية نوعية، بل مصلحة «فزيولوجية» كما نستطيع أن نسميها في العصر الحديث، وليست بمصلحة اجتماعية في القبيلة أو مصلحة دينية يوجبها الدين وحده ولا يوجبها شيء غيره على أتباعه.
فإذا كانت آداب العشق هي الآداب التي تكشف الفضائل النوعية في العاشقين معا؛ فالاستعصام لازم فيها والتجمل بالعفة ضرورة من ضروراتها؛ لأن الاستسلام للشهوات ضعف لا يرشح صاحبه للبقاء ولا يدل على استحقاقه للحب والإيثار.
وإذا قال اليوم بعض الثراثرة المتعجلين: إن العقائد القديمة هي التي كانت وحدها توجب الاستعصام على الفتيان والفتيات، وأنهم خلقاء أن يحمدوا الإباحة متى تحرروا من ربقة العقائد القديمة، فهؤلاء الثراثرة المتعجلون لا يفقهون ما يقولون.
إن الفتى والفتاة يجب أن يستعصما ولو لم يؤمنا بدين من الأديان الكتابية أو غير الكتابية؛ لأنهما في دور العشق يعرضان فضائل النوع فيهما، وليس من فضائل النوع أن ينساق الفتى أو الفتاة لأول غواية، وأن تكون الشهوة هي كل ما يصبي الواحد منهما من زميله.
فالطبيعة والدين معا يدعوان إلى العصمة بين العاشقين، وينكران التدفع إلى الشهوات في غير مساك ولا ممانعة، وخليق أن يتأكد ذلك في القبيلة البدوية التي تهمها المنعة وتجاور كعبة الدين وتجري على سنة الطبيعة، فلا يضعف فيها ذلك التوكيد إلا لعارض يوهي الحوزة ويبيح المحظور، أو على انحراف يتغاضى عنه العرف، ويزعم أنه لا يقره ولا يراه.
فما اشتد من عصمة العرف بين العذريين فمعقول لا ينقض ما توجبه السنن الطبيعية، وما جاء في سيرة جميل وبثينة خلافا لذلك العرف أو وفاقا له فمعقول كذلك في خلافه ووفاقه؛ لأن مخالفة العرف شيء يقع ولا يمتنع، وشيء له أسباب في الحياة الفردية كالأسباب التي أوجبت العرف في الحياة الاجتماعية.
وقد أجملنا الإشارة إلى هذه الأسباب وتلك الأسباب، فخلص لنا منهما أن جميلا وبثينة عاشقان طبيعيان، وأن ما جرى بينهما وروي عنهما لا يناقض ما يكون ولا ما كان، ولن يوجدا على غير ما وصفا، حيث وجدا في تلك البيئة وفي ذلك الزمان.
أحسن الغزل
كان العرف الشائع بين نقاد الغزل في الشعر العربي إلى عهد قريب: أن أحسن الغزل هو ما حسن فيه وصف المحبوب، وأربى على الغاية في إسباغ المحاسن عليه، فمن جعل محبوبه عصمة في الجمال لا يمسه نقص، ولا يلحق به عيب، فهو أغزل ممن وصفه، فظهر من وصفه إياه أنه معيب في بعض نواحي خلقه وخلقه، ومن قال: إن محبوبه كالشمس أغزل ممن قال فيه: إنه كالبدر أو كوكب من كواكب الليل، التي تبلغ مبلغ البدر والشمس في الإشراق والجمال.
وهذا كما يرى من النظر اليسير خلط ذريع بين أمور كثيرة: خلط بين الاستحسان والعشق وهما مختلفان؛ لأن الاستحسان قد يأتي من العاشق وغير العاشق، ولا يلزم من عشق الرجل امرأة من النساء أنها في نظره أجمل من كل امرأة رآها ، فربما عرف عيوبها وعرف محاسن غيرها، فأحبها بعيوبها ولم يحبب صاحبة المحاسن المفضلة في عينيه.
Halaman tidak diketahui