911

Jami' al-Bayan 'an Ta'wil Ayi al-Qur'an

جامع البيان في تفسير القرآن

[يوسف: 23] وكما يقال: كسرت العود: إذا جعلته قطعا، أي قطعة بعد قطعة. وقد يجوز في ذلك التخفيف، فإذا أفرد من ذلك الواحد، فكان الفعل يتردد فيه ويكثر تردده في جمع منه، جاز التشديد عندهم والتخفيف، فيقال منه: هذا ثوب مخرق وجلد مقطع، لتردد الفعل فيه وكثرته بالقطع والخرق. وإن كان الفعل لا يكثر فيه ولا يتردد لم يجيزوه إلا بالتخفيف، وذلك نحو قولهم: رأيت كبشا مذبوحا، ولا يجيزون فيه «مذبحا»، لأن الذبح لا يتردد فيه تردد التخرق في الثوب. وقالوا: فلهذا قيل: قصر مشيد، لأنه واحد، فجعل بمنزلة قولهم: كبش مذبوح. وقالوا: جائز في القصر أن يقال قصر مشيد بالتشديد، لتردد البناء فيه والتشييد، ولا يجوز ذلك في «كبش مذبوح» لما ذكرنا. القول في تأويل قوله تعالى: { وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك }. يعني بقوله جل ثناؤه: { وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله }: وإن ينلهم رخاء وظفر وفتح ويصيبوا غنيمة يقولوا هذه من عند الله، يعني: من قبل الله ومن تقديره، وإن تصبهم سيئة، يقول: وإن تنلهم شدة من عيش وهزيمة من عدو وجراح وألم، يقولوا لك يا محمد: هذه من عندك بخطئك التدبير. وإنما هذا خبر من الله تعالى ذكره عن الذين قال فيهم لنبيه:

ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم

[النساء: 77]. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال : ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن سعد وابن أبي جعفر قالا: ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، في قوله: { وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك } قال: هذه في السراء والضراء.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية مثله. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك } فقرأ حتى بلغ:

وأرسلنك للناس رسولا

[النساء: 79] قال: إن هذه الآيات نزلت في شأن الحرب. فقرأ:

يأيها الذين ءامنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا

[النساء: 71] فقرأ حتى بلغ: { وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه } من عند محمد عليه الصلاة والسلام، أساء التدبير وأساء النظر، ما أحسن التدبير ولا النظر. القول في تأويل قوله تعالى: { قل كل من عند الله }. يعني جل ثناؤه بقوله: { قل كل من عند الله } قل يا محمد لهؤلاء القائلين إذا أصابتهم حسنة هذه من عند الله، وإذا أصابتهم سيئة هذه من عندك: كل ذلك من عند الله دوني ودون غيري، من عنده الرخاء والشدة، ومنه النصر والظفر، ومن عنده القتل والهزيمة. كما: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: { قل كل من عند الله } النعم والمصائب. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { قل كل من عند الله } النصر والهزيمة. حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: { قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا } يقول: الحسنة والسيئة من عند الله، أما الحسنة فأنعم بها عليك، وأما السيئة فابتلاك بها. القول في تأويل قوله تعالى: { فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا }. يعني جل ثناؤه بقوله: { فمال هؤلاء القوم } فما شأن هؤلاء القوم الذين إن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله، وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك، { لا يكادون يفقهون حديثا } يقول: لا يكادون يعلمون حقيقة ما تخبرهم به من أن كل ما أصابهم من خير أو شر أو ضر وشدة أو رخاء، فمن عند الله، لا يقدر على ذلك غيره، ولا يصيب أحدا سيئة إلا بتقديره، ولا ينال رخاء ونعمة إلا بمشيئته. وهذا إعلام من الله عباده أن مفاتح الأشياء كلها بيده، لا يملك شيئا منها أحد غيره.]

[4.79]

يعني جل ثناؤه بقوله: { ما أصبك من حسنة فمن الله وما أصبك من سيئة فمن نفسك }: ما يصيبك يا محمد من رخاء ونعمة وعافية وسلامة، فمن فضل الله عليك يتفضل به عليك إحسانا منه إليك. وأما قوله: { وما أصبك من سيئة فمن نفسك } يعني: وما أصابك من شدة ومشقة وأذى ومكروه، فمن نفسك، يعني: بذنب استوجبتها به اكتسبته نفسك. كما: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { ما أصبك من حسنة فمن الله وما أصبك من سيئة فمن نفسك } أما من نفسك، فيقول: من ذنبك. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { ما أصبك من حسنة فمن الله وما أصبك من سيئة فمن نفسك } عقوبة يا ابن آدم بذنبك. قال: وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول:

Halaman tidak diketahui