Jami' al-Bayan 'an Ta'wil Ayi al-Qur'an
جامع البيان في تفسير القرآن
وإذا كان ذلك كذلك، وكان الله تعالى ذكره قد دل بقوله: { ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف } على أنه أكل مال اليتيم إنما أذن لمن أذن له من ولاته في حال الفقر والحاجة، وكانت الحال التي للولاة أن يؤجروا أنفسهم من الأيتام مع حاجة الأيتام إلى الأجراء، غير مخصوص بها حال غنى ولا حال فقر، كان معلوما أن المعنى الذي أبيح لهم من أموال أيتامهم في كل أحوالهم، غير المعنى الذي أبيح لهم ذلك فيه في حال دون حال. ومن أبى ما قلنا ممن زعم أن لولي اليتيم أكل مال يتيمه عند حاجته إليه على غير وجه القرض استدلالا بهذه الآية، قيل له: أمجمع على أن الذي قلت تأويل قوله: { ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف }؟ فإن قال لا، قيل له: فما برهانك على أن ذلك تأويله، وقد علمت أنه غير مالك مال يتيمه؟ فإن قال: لأن الله أذن له بأكله، قيل له: أذن له بأكله مطلقا، أم بشرط؟ فإن قال بشرط، وهو أن يأكله بالمعروف، قيل له: وما ذلك المعروف وقد علمت القائلين من الصحابة والتابيعن ومن بعدهم من الخالفين إن ذلك هو أكله قرضا وسلفا؟ ويقال لهم أيضا مع ذلك: أرأيت المولى عليهم في أموالهم من المجانين والمعاتيه ألولاة أموالهم أن يأكلوا من أموالهم عند حاجتهم إليه على غير وجه القرض لا الاعتياض من قيامهم بها، كما قلتم ذلك في أموال اليتامى فأبحتموها لهم؟ فإن قالوا ذلك لهم، خرجوا من قول جميع الحجة، وإن قالوا ليس ذلك لهم، قيل لهم: فما الفرق بين أموالهم وأموال اليتامى وحكم ولاتهم واحد في أنهم ولاة أموال غيرهم؟ فلن يقولوا في أحدهما شيئا إلا ألزموا في الآخر مثله. ويسألون كذلك عن المحجور عليه، هل لمن يلي ماله أن يأكل ماله عند حاجته إليه؟ نحو سؤالناهم عن أموال المجانين والمعاتيه. القول في تأويل قوله تعالى: { فإذا دفعتم إليهم أمولهم فأشهدوا عليهم }. قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وإذا دفعتم يا معشر ولاة أموال اليتامى إلى اليتامى أموالهم، فأشهدوا عليهم، يقول: فأشهدوا على الأيتام باستيفائهم ذلك منكم ودفعكموه إليهم.
كما: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { فإذا دفعتم إليهم أمولهم فأشهدوا عليهم } يقول: إذا دفع إلى اليتيم ماله، فليدفعه إليه بالشهود، كما أمره الله تعالى. القول في تأويل قوله تعالى: { وكفى بالله حسيبا }. يقول تعالى ذكره: وكفى بالله كافيا من الشهود الذي يشهدهم والي اليتيم على دفعه مال يتيمه إليه. كما: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { وكفى بالله حسيبا } يقول: شهيدا. يقال منه: قد أحسبني الذي عندي، يراد به: كفاني. وسمع من العرب: لأحسبنكم من الأسودين، يعني به: من الماء والتمر، والمحسب من الرجال: المرتفع الحسب، والمحسب: المكفي.
[4.7]
يعني بذلك تعالى ذكره: للذكور من أولاد الرجل الميت حصة من ميراثه وللإناث منهم حصة منه، من قليل ما خلف بعده وكثيره حصة مفروضة واجبة معلومة مؤقتة. وذكر أن هذه الآية نزلت من أجل أن أهل الجاهلية كانوا يورثون الذكور دون الإناث. كما: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: كانوا لايورثون النساء، فنزلت: { وللنساء نصيب مما ترك الولدن والأقربون }. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، قال: نزلت في أم كحة وابنة كحة وثعلبة وأوس بن سويد، وهم من الأنصار، كان أحدهم زوجها، والآخر عم ولدها، فقالت: يا رسول الله توفي زوجي وتركني وابنته، فلم نورث، فقال عم ولدها: يا رسول الله لا تركب فرسا، ولا تحمل كلا، ولا تنكأ عدوا يكسب عليها، ولا تكتسب. فنزلت: { للرجال نصيب مما ترك الولدن والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الولدن والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا }. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { للرجال نصيب مما ترك الولدن والأقربون } قال: كان النساء لا يرثن في الجاهلية من الآباء، وكان الكبير يرث ولا يرث الصغير وإن كان ذكرا، فقال الله تبارك وتعالى: { للرجال نصيب مما ترك الولدن والأقربون } إلى قوله: { نصيبا مفروضا }. قال أبو جعفر: ونصب قوله: { نصيبا مفروضا } وهو نعت للنكرة لخروجه مخرج المصدر، كقول القائل: لك علي حق واجبا، ولو كان مكان قوله : { نصيبا مفروضا } اسم صحيح لم يجز نصبه، لا يقال: لك عندي حق درهما، فقوله: { نصيبا مفروضا } كقوله: نصيبا فريضة وفرضا، كما يقال: عندي درهم هبة مقبوضة.
[4.8]
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في حكم هذه الآية، هل هو محكم، أو منسوخ؟ فقال بعضهم: هو محكم. ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن الشيباني، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال محكمة، وليست منسوخة، يعني قوله: { وإذا حضر القسمة أولوا القربى }... الآية. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم والشعبي قالا: هي محكمة. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: واجب، ما طابت به أنفس أهل الميراث. وحدثنا أبو كريب، قال: ثنا الأشجعي، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: { وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتمى والمسكين } قال: هي واجبة على أهل الميراث ما طابت به أنفسهم. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا الأشجعي، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم والشعبي، قالا: هي محكمة ليست بمنسوخة. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى بن عبد الرحمن، عن سفيان، وثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: هي واجبة على أهل الميراث ما طابت به أنفسهم. حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، أنه سئل عن قوله: { وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتمى والمسكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا } فقال سعيد: هذه الآية يتهاون بها الناس. قال: وهما وليان: أحدهما يرث والآخر لا يرث، والذي يرث هو الذي أمر أن يرزقهم، قال: يعطيهمقال: والذي لا يرث هو الذي أمر أن يقول لهم قولا معروفا. وهي محكمة وليست بمنسوخة. حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم بنحو ذلك، وقال: هي محكمة وليس بمنسوخة. حدثنا بشر بن معاذ ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن مطرف، عن الحسن، قال: هي ثابتة، ولكن الناس بخلوا وشحوا. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا منصور والحسن، قالا: هي محكمة وليست بمنسوخة. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا عباد بن العوام، عن الحجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: هي قائمة يعمل بها. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: { وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتمى والمسكين فارزقوهم منه } ما طابت به الأنفس حقا واجبا. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن الحسن والزهري، قالا في قوله: { وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتمى والمسكين فارزقوهم منه } قال: هي محكمة.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا منصور، عن قتادة، عن يحيى بن يعمر، قال: ثلاث آيات محكمات مدنيات تركهن الناس: هذه الآية: وآية الاستئذان:
يأيها الذين ءامنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمنكم
[النور: 58]، وهذه الآية:
يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى
Halaman tidak diketahui