791

Jami' al-Bayan 'an Ta'wil Ayi al-Qur'an

جامع البيان في تفسير القرآن

من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا

[البقرة: 245] قالت اليهود: إنما يستقرض الفقير من الغني، قال: فأنزل الله: { لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء }. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت ابن زيد يقول في قوله: { لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء } قال: هؤلاء اليهود. فتأويل الآية إذا: لقد سمع الله قول الذين قالوا من اليهود: إن الله فقير إلينا ونحن أغنياء عنه، سنكتب ما قالوا من الإفك والفرية على ربهم وقتلهم أنبياءهم بغير حق. واختلفت القراء في قراءة قوله: { سنكتب ما قالوا وقتلهم } فقرأ ذلك قراء الحجاز وعامة قراء العراق: { سنكتب ما قالوا } بالنون، { وقتلهم الأنبياء بغير حق } بنصب القتل.

وقرأ ذلك بعض قراء الكوفيين: «سيكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق» بالياء من سيكتب، وبضمها ورفع القتل على مذهب ما لم يسم فاعله، اعتبارا بقراءة يذكر أنها من قراءة عبد الله في قوله: «ونقول ذوقوا»، يذكر أنها في قراءة عبد الله: «ويقال» فأغفل قارىء ذلك وجه الصواب فيما قصد إليه من تأويل القراءة التي تنسب إلى عبد الله، وخالف الحجة من قراء الإسلام. وذلك أن الذي ينبغي لمن قرأ: «سيكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء» على وجه ما لم يسم فاعله، أن يقرأ: ويقال، لأن قوله: «ونقول» عطف على قوله: «سنكتب». فالصواب من القراءة أن يوفق بينهما في المعنى بأن يقرأ جميعا على مذهب ما لم يسم فاعله، أو على مذهب ما يسمى فاعله، فأما أن يقرأ أحدهما على مذهب ما لم يسم فاعله، والآخر على وجه ما قد سمي فاعله من غير معنى ألجأه على ذلك، فاختيار خارج عن الفصيح من كلام العرب. والصواب من القراءة في ذلك عندنا: { سنكتب } بالنون { وقتلهم } بالنصب لقوله: «ونقول»، ولو كانت القراءة في «سيكتب» بالياء وضمها، لقيل: «ويقال»، على ما قد بينا. فإن قال قائل: كيف قيل: { وقتلهم الأنبياء بغير حق } وقد ذكرت الآثار التي رويت، أن الذين عنوا بقوله: { لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير } بعض اليهود الذين كانوا على عهد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يكن من أولئك أحد قتل نبيا من الأنبياء، لأنهم لم يدركوا نبيا من أنبياء الله فيقتلوه؟ قيل: إن معنى ذلك على غير الوجه الذي ذهبت إليه، وإنما قيل ذلك كذلك لأن الذين عنى الله تبارك وتعالى بهذه الآية كانوا راضين بما فعل أوائلهم من قتل من قتلوا من الأنبياء، وكانوا منهم، وعلى منهاجهم، من استحلال ذلك واستجازته. فأضاف جل ثناؤه فعل ما فعله من كانوا على منهاجه وطريقته إلى جميعهم، إذ كانوا أهل ملة واحدة، ونحلة واحدة، وبالرضا من جميعهم فعل ما فعل فاعل ذلك منهم على ما بينا من نظائره فيما مضى قبل. القول في تأويل قوله: { ونقول ذوقوا عذاب الحريق ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلم للعبيد }. يعني بذلك جل ثناؤه: ونقول للقائلين بأن الله فقير ونحن أغنياء، القاتلين أنبياء الله بغير حق يوم القيامة: ذوقوا عذاب الحريق، يعني بذلك: عذاب نار محرقة ملتهبة، والنار اسم جامع للملتهبة منها وغير الملتهبة، وإنما الحريق صفة لها، يراد أنها محرقة، كما قيل: «عذاب أليم» يعني: مؤلم، و«وجيع» يعني: موجع.

وأما قوله: { ذلك بما قدمت أيديكم }: أي قولنا لهم يوم القيامة: ذوقوا عذاب الحريق بما أسلفت أيديكم، واكتسبتها أيام حياتكم في الدنيا، وبأن الله عدل لا يجور، فيعاقب عبدا له بغير استحقاق منه العقوبة، ولكنه يجازي كل نفس بما كسبت، ويوفي كل عامل جزاء ما عمل، فجازى الذين قال لهم يوم القيامة من اليهود الذين وصف صفتهم، فأخبر عنهم أنهم قالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء، وقتلوا الأنبياء بغير حق، بما جازاهم به من عذاب الحريق، بما اكتسبوا من الآثام، واجترحوا من السيئات، وكذبوا على الله بعد الإعذار إليهم بالإنذار، فلم يكن تعالى ذكره بما عاقبهم به من إذاقتهم عذاب الحريق ظالما ولا واضعا عقوبته في غير أهلها، وكذلك هو جل ثناؤه غير ظلام أحدا من خلقه، ولكنه العادل بينهم، والمتفضل على جميعهم بما أحب من فواضله ونعمه.

[3.183]

يعني بذلك جل ثناؤه: لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله عهد إلينا أن لا نؤمن لرسول. وقوله: { الذين قالوا إن الله } في موضع خفص ردا على قوله:

الذين قالوا إن الله فقير

[آل عمران: 181] ويعني بقوله: { قالوا إن الله عهد إلينا أن لا نؤمن لرسول } أوصانا وتقدم إلينا في كتبه وعلى ألسن أنبيائه، أن لا نؤمن لرسول. يقول: أن لا نصدق رسولا فيما يقول إنه جاء به من عند الله، من أمر ونهي وغير ذلك { حتى يأتينا بقربان تأكله النار } يقول: حتى يجيئنا بقربان، وهو ما تقرب به العبد إلى ربه من صدقة، وهو مصدر مثل العدوان والخسران من قولك: قربت قربانا. وإنما قال: «تأكله النار»، لأن أكل النار ما قربه أحدهم لله في ذلك الزمان كان دليلا على قبول الله منه ما قرب له، ودلالة على صدق المقرب فيما ادعى أنه محق فيما نازع أو قال. كما: حدثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: { حتى يأتينا بقربان تأكله النار } كان الرجل يتصدق، فإذا تقبل منه أنزلت عليه نار من السماء فأكلته. حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { بقربان تأكله النار } كان الرجل إذا تصدق بصدقة، فتقبلت منه بعث الله نارا من السماء، فنزلت على القربان فأكلته. فقال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { أن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلى بالبينت } يعني: بالحجج الدالة على صدق نبوتهم وحقيقة قولهم { وبالذى قلتم } يعني: وبالذي ادعيتم أنه إذا جاء به لزمكم تصديقه، والإقرار بنبوته من أكل النار قربانه إذا قرب لله دلالة على صدقه { فلم قتلتموهم إن كنتم صدقين } يقول له: قل لهم: قد جاءتكم الرسل الذين كانوا من قبلي بالذي زعمتم أنه حجة لهم عليكم، فقتلتموهم، فلم قتلتموهم وأنتم مقرون بأن الذي جاءوكم به من ذلك كان حجة لهم عليكم إن كنتم صادقين في أن الله عهد إليكم أن تؤمنوا بمن أتاكم من رسله بقربان تأكله النار حجة له على نبوته؟ وإنما أعلم الله عباده بهذه الآية، أن الذين وصف صفتهم من اليهود الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لن يفروا، أن يكونوا في كذبهم على الله، وافترائهم على ربهم، وتكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم وهم يعلمونه صادقا محقا، وجحودهم نبوته ، وهم يجدونه مكتوبا عندهم في عهد الله تعالى إليهم أنه رسوله إلى خلقه، مفروضة طاعته إلا كمن مضى من أسلافهم الذين كانوا يقتلون أنبياء الله بعد قطع الله عذرهم بالحجج التي أيدهم الله بها، والأدلة التي أبان صدقهم بها، افتراء على الله، واستخفافا بحقوقه.

[3.184]

وهذا تعزية من الله جل ثناؤه نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم على الأذى الذي كان يناله من اليهود وأهل الشرك بالله من سائر أهل الملل. يقول الله تعالى له: لا يحزنك يا محمد كذب هؤلاء الذين قالوا: إن الله فقير، وقالوا: إن الله عهد إلينا أن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار، وافتراؤهم على ربهم اغترارا بإمهال الله إياهم، ولا يعظمن عليك تكذيبهم إياك، وادعاؤهم الأباطيل من عهود الله إليهم، فإنهم إن فعلوا ذلك بك فكذبوك، وكذبوا على الله، فقد كذبت أسلافهم من رسل الله قبلك من جاءهم بالحجج القاطعة العذر، والأدلة الباهرة العقل، والآيات المعجزة الخلق، وذلك هو البينات. وأما الزبر: فإنه جمع زبور: وهو الكتاب، وكل كتاب فهو زبور، ومنه قول امرىء القيس:

Halaman tidak diketahui