768

Jami' al-Bayan 'an Ta'wil Ayi al-Qur'an

جامع البيان في تفسير القرآن

حب النبي محمد إيانا

إذا جعل غير صلة رفعت بإضمار هو، وإن خفضت أتبعت من فأعربته، فذلك حكمة على ما وصفنا مع النكرات، فأما إذا كانت الصلة معرفة، كان الفصيح من الكلام الإتباع، كما قيل:

فبما نقضهم ميثقهم

[النساء: 155] والرفع جائز في العربية. وبنحو ما قلنا في قوله: { فبما رحمة من الله لنت لهم } قال جماعة من أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة في قوله: { فبما رحمة من الله لنت لهم } يقول: فبرحمة من الله لنت لهم. وأما قوله: { ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك } فإنه يعني بالفظ: الجافي، وبالغليظ القلب: القاسي القلب غير ذي رحمة ولا رأفة، وكذلك صفته صلى الله عليه وسلم، كما وصفه الله:

بالمؤمنين رءوف رحيم

[التوبة: 128] فتأويل الكلام: فبرحمة الله يا محمد ورأفته بك، وبمن آمن بك من أصحابك، لنت لهم لتباعك وأصحابك فسهلت لهم خلائقك، وحسنت لهم أخلاقك، حتى احتملت أذى من نالك منهم أذاه، وعفوت عن ذي الجرم منهم جرمه، وأغضبت عن كثير ممن لو جفوت به، وأغلظت عليه، لتركك ففارقك، ولم يتبعك، ولا ما بعثت به من الرحمة، ولكن الله رحمهم ورحمك معهم، فبرحمة من الله لنت لهم. كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك }: إي والله، لطهره الله من الفظاظة والغلظة، وجعله قريبا رحيما بالمؤمنين رؤوفا. وذكر لنا أن نعت محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة: «ليس بفظ ولا غليظ ولا صخوب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلها، ولكن يعفو ويصفح». حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، بنحوه. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق في قوله: { فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك } قال: ذكر لينه لهم، وصبره عليهم لضعفهم، وقلة صبرهم على الغلظة لو كانت منه في كل ما خالفوا فيه مما افترض عليهم من طاعة نبيهم.

وأما قوله: { لانفضوا من حولك } فإنه يعني: لتفرقوا عنك. كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: قوله: { لانفضوا من حولك } قال: انصرفوا عنك. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: { لانفضوا من حولك } أي لتركوك. القول في تأويل قوله تعالى: { فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم فى الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين }. يعني تعالى ذكره بقوله: { فاعف عنهم }: فتجاوز يا محمد عن تباعك وأصحابك من المؤمنين بك، وبما جئت به من عندي، ما نالك من أذاهم، ومكروه في نفسك. { واستغفر لهم } وادع ربك لهم بالمغفرة لما أتوا من جرم، واستحقوا عليه عقوبة منه. كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: { فاعف عنهم }: أي فتجاوز عنهم، { واستغفر لهم } ذنوب من قارف من أهل الإيمان منهم . ثم اختلف أهل التأويل في المعنى الذي من أجله أمر تعالى ذكره نبيه صلى الله عليه وسلم أن يشاورهم، وما المعنى الذي أمره أن يشاورهم فيه؟ فقال بعضهم: أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: { وشاورهم فى الأمر } بمشاورة أصحابه في مكايد الحرب وعند لقاء العدو، تطييبا منه بذلك أنفسهم، وتألفا لهم على دينهم، وليروا أنه يسمع منهم ويستعين بهم، وإن كان الله عز وجل قد أغناه بتدبيره له أموره وسياسته إياه وتقويمه أسبابه عنهم. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وشاورهم فى الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين } أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن يشاور أصحابه في الأمور، وهو يأتيه وحي السماء، لأنه أطيب لأنفس القوم، وإن القوم إذا شاور بعضهم بعضا، وأرادوا بذلك وجه الله عزم لهم على أرشده. حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: { وشاورهم فى الأمر } قال: أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يشاور أصحابه في الأمور، وهو يأتيه الوحي من السماء لأنه أطيب لأنفسهم. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: { وشاورهم فى الأمر }: أي لتريهم أنك تسمع منهم وتستعين بهم وإن كنت عنهم غنيا، تؤلفهم بذلك على دينهم. وقال آخرون: بل أمره بذلك في ذلك، وإن كان له الرأي وأصوب الأمور في التدبير، لما علم في المشورة تعالى ذكره من الفضل. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك بن مزاحم، قوله: { وشاورهم فى الأمر } قال: ما أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بالمشورة إلا لما علم فيها من الفضل.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا معتمر بن سليمان، عن إياس بن دغفل، عن الحسن: ما شاور قوم قط، إلا هدوا لأرشد أمورهم. وقال آخرون: إنما أمره الله بمشاورة أصحابه فيما أمره بمشاورتهم فيه ، مع إغنائه بتقويمه إياه، وتدبيره أسبابه عن آرائهم، ليتبعه المؤمنون من بعده، فيما حزبهم من أمر دينهم، ويستنوا بسنته في ذلك، ويحتذوا المثال الذي رأوه يفعله في حياته من مشاورته في أموره مع المنزلة التي هو بها من الله أصحابه وتباعه في الأمر، ينزل بهم من أمر دينهم ودنياهم، فيتشاوروا بينهم، ثم يصدروا عما اجتمع عليه ملؤهم لأن المؤمنين إذا تشاوروا في أمور دينهم متبعين الحق في ذلك، لم يخلهم الله عز وجل من لطفه، وتوفيقه للصواب من الرأي والقول فيه. قالوا: وذلك نظير قوله عز وجل الذي مدح به أهل الإيمان:

وأمرهم شورى بينهم

[الشورى: 38]. ذكر من قال ذلك: حدثنا سوار بن عبد الله العنبري، قال: قال سفيان بن عيينة في قوله: { وشاورهم فى الأمر } قال: هي للمؤمنين أن يتشاوروا فيما لم يأتهم عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه أثر. قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب في ذلك أن يقال: إن الله عز وجل أمر نبيه صلى الله عليه وسلم وسلم بمشاورة أصحابه، فيما حزبه من أمر عدوه ومكايد حربه، تألفا منه بذلك من لم تكن بصيرته بالإسلام البصيرة التي يؤمن عليه معها فتنة الشيطان، وتعريفا منه أمته ما في الأمور التي تحزبهم من بعده ومطلبها، ليقتدوا به في ذلك عند النوازل التي تنزل بهم، فيتشاوروا فيما بينهم، كما كانوا يرونه في حياته صلى الله عليه وسلم يفعله. فأما النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الله كان يعرفه مطالب وجوه ما حزبه من الأمور بوحيه أو إلهامه إياه صواب ذلك. وأما أمته، فإنهم إذا تشاوروا مستنين بفعله في ذلك على تصادق وتأخ للحق وإرادة جميعهم للصواب، من غير ميل إلى هوى، ولا حيد عن هدى فالله مسددهم وموفقهم. وأما قوله: { فإذا عزمت فتوكل على الله } فإنه يعني: فإذا صح عزمك بتثبيتنا إياك وتسديدنا لك فيما نابك وحزبك من أمر دينك ودنياك، فامض لما أمرناك به على ما أمرناك به، وافق ذلك آراء أصحابك وما أشاروا به عليك أو خالفها، وتوكل فيما تأتي من أمورك وتدع وتحاول أو تزاول على ربك، فثق به في كل ذلك، وارض بقضائه في جميعه دون آراء سائر خلقه ومعونتهم، فإن الله يحب المتوكلين، وهم الراضون بقضائه، والمستسلمون لحكمه فيهم، وافق ذلك منهم هوى أو خالفه.

Halaman tidak diketahui