750

Jami' al-Bayan 'an Ta'wil Ayi al-Qur'an

جامع البيان في تفسير القرآن

لنعلم أي الحزبين أحصى

[الكهف: 12] غير أن الألف واللام والذي ومن، إذا وضعت مع العلم موضع أي نصبت بوقوع العلم عليه، كما قيل: وليعلمن الكاذبين، فأما «أي» فإنها ترفع. وأما قوله: { ويتخذ منكم شهداء } فإنه يعني: وليعلم الله الذين آمنوا، وليتخذ منكم شهداء: أي ليكرم منكم بالشهادة من أراد أن يكرمه بها. والشهداء جمع شهيد كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: { وليعلم الله الذين ءامنوا ويتخذ منكم شهداء } أي ليميز بين المؤمنين والمنافقين، وليكرم من أكرم من أهل الإيمان بالشهادة. حدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك قراءة على ابن جريج في قوله: { وليعلم الله الذين ءامنوا ويتخذ منكم شهداء } قال: فإن المسلمين كانوا يسألون ربهم: ربنا أرنا يوما كيوم بدر، نقاتل فيه المشركين، ونبليك فيه خيرا، ونلتمس فيه الشهادة! فلقوا المشركين يوم أحد، فاتخذ منهم شهداء. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وليعلم الله الذين ءامنوا ويتخذ منكم شهداء } فكرم الله أولياءه بالشهادة بأيدي عدوهم، ثم تصير حواصل الأمور وعواقبها لأهل طاعة الله. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: { وليعلم الله الذين ءامنوا ويتخذ منكم شهداء } قال: قال ابن عباس: كانوا يسألون الشهادة، فلقوا المشركين يوم أحد، فاتخذ منهم شهداء. حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { وليعلم الله الذين ءامنوا ويتخذ منكم شهداء } كان المسلمون يسألون ربهم أن يريهم يوما كيوم بدر، يبلون فيه خيرا، ويرزقون فيه الشهادة، ويرزقون الجنة والحياة والرزق. فلقي المسلمون يوم أحد فاتخذ الله منهم شهداء، وهم الذين ذكرهم الله عز وجل، فقال: { ولا تقولوا لمن يقتل فى سبيل الله أموات }... الآية. وأما قوله: { والله لا يحب الظلمين } فإنه يعني به: الذين ظلموا أنفسهم بمعصيتهم ربهم. كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: { والله لا يحب الظلمين }: أي المنافقين الذي يظهرون بألسنتهم الطاعة، وقلوبهم مصرة على المعصية.

[3.141]

يعني تعالى ذكره بقوله: { وليمحص الله الذين ءامنوا }: وليختبر الله الذين صدقوا الله ورسوله فيبتليهم بإدالة المشركين منهم حتى يتبين المؤمن منهم المخلص الصحيح الإيمان من المنافق. كما: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله، في قوله: { وليمحص الله الذين ءامنوا } قال: ليبتلي. حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثني محمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن في قوله: { وليمحص الله الذين ءامنوا } قال: ليمحص الله المؤمن حتى يصدق. حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { وليمحص الله الذين ءامنوا } يقول: يبتلي المؤمنين. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: { وليمحص الله الذين ءامنوا } قال: يبتليهم. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وليمحص الله الذين ءامنوا ويمحق الكفرين } فكان تمحيصا للمؤمنين، ومحقا للكافرين. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: { وليمحص الله الذين ءامنوا }: أي يختبر الذين آمنوا حتى يخلصهم بالبلاء الذي نزل بهم، وكيف صبرهم ويقينهم. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { وليمحص الله الذين ءامنوا ويمحق الكفرين } قال: يمحق من محق في الدنيا، وكان بقية من يمحق في الآخرة في النار. وأما قوله: { ويمحق الكفرين } فإنه يعني به: أنه ينقصهم ويفنيهم، يقال منه: محق فلان هذا الطعام: إذا نقصه أو أفناه، يمحقه محقا، ومنه قيل لمحاق القمر: محاق، وذلك نقصانه وفناؤه. كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: { ويمحق الكفرين } قال: ينقصهم. حدثني محمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن في قوله: { ويمحق الكفرين } قال: يمحق الكافر حتى يكذبه. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: { ويمحق الكفرين } أي يبطل من المنافقين قولهم بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، حتى يظهر منهم كفرهم الذي يستترون به منكم.

[3.142]

يعني بذلك جل ثناؤه: أم حسبتم يا معشر أصحاب محمد، وظننتم أن تدخلوا الجنة، وتنالوا كرامة ربكم، وشرف المنازل عنده { ولما يعلم الله الذين جهدوا منكم } يقول: ولما يتبين لعبادي المؤمنين، المجاهد منكم في سبيل الله، على ما أمره به. وقد بينت معنى قوله: { ولما يعلم الله }: وليعلم الله، وما أشبه ذلك بأدلته فيما مضى بما أغنى عن إعادته وقوله: { ويعلم الصبرين } يعني: الصابرين عند البأس على ما ينالهم في ذات الله من جرح وألم ومكروه. كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة } وتصيبوا من ثوابي الكرامة، ولم أختبركم بالشدة، وأبتليكم بالمكاره، حتى أعلم صدق ذلك منكم الإيمان بي، والصبر على ما أصابكم في. ونصب { ويعلم الصبرين } على الصرف، والصرف أن يجتمع فعلان ببعض حروف النسق، وفي أوله ما لا يحسن إعادته مع حرف النسق، فينصب الذي بعد حرف العطف على الصرف، لأنه مصروف عن معنى الأول، ولكن يكون مع جحد أو استفهام أو نهي في أول الكلام، وذلك كقولهم: لا يسعني شيء ويضيق عنك، لأن «لا» التي مع «يسعني» لا يحسن إعادتها مع قوله: «ويضيق عنك»، فلذلك نصب. والقراء في هذا الحرف على النصب وقد روى عن الحسن أنه كان يقرأ: «ويعلم الصابرين» فيكسر الميم من «يعلم»، لأنه كان ينوي جزمها على العطف به على قوله: { ولما يعلم الله }.

[3.143]

يعني بقوله جل ثناؤه: { ولقد كنتم تمنون الموت }: ولقد كنتم يا معشر أصحاب محمد تمنون الموت يعني أسباب الموت وذلك القتال { فقد رأيتموه } فقد رأيتم ما كنتم تمنونه. والهاء في قوله «رأيتموه»، عائدة على الموت، ومعنى: { وأنتم تنظرون } يعني: قد رأيتموه بمرأى منكم ومنظر: أي بقرب منكم. وكان بعض أهل العربية يزعم أنه قيل: { وأنتم تنظرون } على وجه التوكيد للكلام، كما يقال: رأيته عيانا، ورأيته بعيني، وسمعته بأذني وإنما قيل: { ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه } لأن قوما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن لم يشهد بدرا، كانوا يتمنون قبل أحد يوما مثل يوم بدر، فيبلوا الله من أنفسهم خيرا، وينالوا من الأجر مثل ما نال أهل بدر فلما كان يوم أحد فر بعضهم وصبر بعضهم، حتى أوفى بما كان عاهد الله قبل ذلك، فعاتب الله من فر منهم، فقال: { ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه }... الآية، وأثنى على الصابرين منهم والموفين بعهدهم. ذكر الأخبار بما ذكرنا من ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: { ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون } قال: غاب رجال عن بدر، فكانوا يتمنون مثل يوم بدر أن يلقوه، فيصيبوا من الخير والأجر مثل ما أصاب أهل بدر. فلما كان يوم أحد ولى من ولى، فعاتبهم الله أو فعابهم، أو فعتبهم على ذلك، شك أبو عاصم. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه، إلا أنه قال: فعاتبهم الله على ذلك، ولم يشك. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون }: أناس من المؤمنين لم يشهدوا يوم بدر والذي أعطى الله أهل بدر من الفضل والشرف والأجر، فكانوا يتمنون أن يرزقوا قتالا فيقاتلوا، فسيق إليهم القتال حتى كان في ناحية المدينة يوم أحد، فقال الله عز وجل كما تسمعون: { ولقد كنتم تمنون الموت } حتى بلغ: { الشكرين }. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله: { ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه } قال: كانوا يتمنون أن يلقوا المشركين فيقاتلوهم، فلما لقوهم يوم أحد ولوا. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: إن أناسا من المؤمنين لم يشهدوا يوم بدر والذي أعطاهم الله من الفضل، فكانوا يتمنون أن يروا قتالا فيقاتلوا، فسيق إليهم القتال، حتى كان بناحية المدينة يوم أحد، فأنزل الله عز وجل: { ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه }.

.. الآية. حدثني محمد بن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن، قال: بلغني أن رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون: لئن لقينا مع النبي صلى الله عليه وسلم لنفعلن ولنفعلن! فابتلوا بذلك، فلا والله ما كلهم صدق، فأنزل الله عز وجل: { ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون }. حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: كان ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لم يشهدوا بدرا، فلما رأوا فضيلة أهل بدر، قالوا: اللهم إنا نسألك أن ترينا يوما كيوم بدر، نبليك فيه خيرا! فرأوا أحدا، فقال لهم: { ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون }. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: { ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون }: أي لقد كنتم تمنون الشهادة على الذي أنتم عليه من الحق قبل أن تلقوا عدوكم، يعني الذين حملوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على خروجه بهم إلى عدوهم لما فاتهم من الحضور في اليوم الذي كان قبله ببدر، رغبة في الشهادة التي قد فاتتهم به يقول: { فقد رأيتموه وأنتم تنظرون }: أي الموت بالسيوف في أيدي الرجال، قد حل بينكم وبينهم، وأنتم تنظرون إليهم، فصددتم عنهم.

[3.144]

Halaman tidak diketahui