716

Jami' al-Bayan 'an Ta'wil Ayi al-Qur'an

جامع البيان في تفسير القرآن

" كتاب الله، هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض "

وقال آخرون: بل ذلك هو إخلاص التوحيد لله. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: { واعتصموا بحبل الله جميعا } يقول: اعتصموا بالإخلاص لله وحده. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { واعتصموا بحبل الله جميعا } قال: الحبل: الإسلام. وقرأ { ولا تفرقوا }. القول في تأويل قوله تعالى: { ولا تفرقوا }. يعني جل ثناؤه بقوله: { ولا تفرقوا }: ولا تتفرقوا عن دين الله وعهده الذي عهد إليكم في كتابه من الائتلاف والاجتماع على طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم والانتهاء إلى أمره. كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم } أن الله عز وجل قد كره لكم الفرقة وقدم إليكم فيها، وحذركموها، ونهاكم عنها، ورضي لكم السمع والطاعة والألفة والجماعة، فارضوا لأنفسكم ما رضي الله لكم إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية: { ولا تفرقوا }: لا تعادوا عليه، يقول: على الإخلاص لله، وكونوا عليه إخوانا. حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، أن الأوزاعي حدثه، أن يزيد الرقاشي حدثه، أنه سمع أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على اثنين وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة "

قال: فقيل يا رسول الله، وما هذه الواحدة؟ قال: فقبض يده وقال: «الجماعة» { واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا }. حدثني عبد الكريم بن أبي عمير، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: سمعت الأوزاعي يحدث عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم، نحوه. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا المحاربي، عن ابن أبي خالد، عن الشعبي، عن ثابت بن قطنة المري، عن عبد الله أنه قال: يا أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة فإنهما حبل الله الذي أمر به، وإن ما تكرهون في الجماعة والطاعة هو خير مما تستحبون في الفرقة. حدثنا عبد الحميد بن بيان اليشكري، قال: أخبرنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن ثابت بن قطنة، قال: سمعت ابن مسعود وهو يخطب، وهو يقول: يا أيها الناس، ثم ذكر نحوه.

حدثنا إسماعيل بن حفص الآملي، قال: ثنا عبد الله بن نمير أبو هشام، قال: ثنا مجالد بن سعيد، عن عامر، عن ثابت بن قطنة المري، قال: قال عبد الله: عليكم بالطاعة والجماعة، فإنها حبل الله الذي أمر به ثم ذكر نحوه. القول في تأويل قوله تعالى: { واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا }. يعني بقوله جل ثناؤه: { واذكروا نعمت الله عليكم }: واذكروا ما أنعم الله به عليكم من الألفة والاجتماع على الإسلام. واختلف أهل العربية في قوله: { إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم } فقال بعض نحويي البصرة في ذلك: انقطع الكلام عند قوله: { واذكروا نعمت الله عليكم } ، ثم فسر بقوله: { فألف بين قلوبكم } وأخبر بالذي كانوا فيه قبل التأليف، كما تقول: أمسك الحائط أن يميل. وقال بعض نحويي الكوفة: قوله { إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم } تابع قوله: { واذكروا نعمت الله عليكم } غير منقطعة منها. والصواب من القول في ذلك عندي أن قوله: { إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم } متصل بقوله: { واذكروا نعمت الله عليكم } غير منقطع عنه. وتأويل ذلك: واذكروا أيها المؤمنون نعمة الله عليكم التي أنعم بها عليكم حين كنتم أعداء: أي بشرككم، يقتل بعضكم بعضا، عصبية في غير طاعة الله ولا طاعة رسوله، فألف الله بالإسلام بين قلوبكم، فجعل بعضكم لبعض إخوانا بعد إذ كنتم أعداء تتواصلون بألفة الإسلام واجتماع كلمتكم عليه. كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم } كنتم تذابحون فيها، يأكل شديدكم ضعيفكم حتى جاء الله بالإسلام، فآخى به بينكم، وألف به بينكم. أما والله الذي لا إله إلا هو، إن الألفة لرحمة، وإن الفرقة لعذاب! حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: { واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء }: يقتل بعضكم بعضا، ويأكل شديدكم ضعيفكم، حتى جاء الله بالإسلام، فألف به بينكم، وجمع جمعكم عليه، وجعلكم عليه إخوانا. فالنعمة التي أنعم الله على الأنصار التي أمرهم تعالى ذكره في هذه الآية أن يذكروها هي ألفة الإسلام واجتماع كلمتهم عليها، والعداوة التي كانت بينهم، التي قال الله عز وجل: { إذ كنتم أعداء } فإنها عداوة الحروب التي كانت بين الحيين من الأوس والخزرج في الجاهلية قبل الإسلام، يزعم العلماء بأيام العرب، أنها تطاولت بينهم عشرين ومائة سنة. كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: قال ابن إسحاق: كانت الحرب بين الأوس والخزرج عشرين ومائة سنة، حتى قام الإسلام وهم على ذلك، فكانت حربهم بينهم وهم أخوان لأب وأم، فلم يسمع بقوم كان بينهم من العدواة والحرب ما كان بينهم.

ثم إن الله عز وجل أطفأ ذلك بالإسلام، وألف بينهم برسوله محمد صلى الله عليه وسلم. فذكرهم جل ثناؤه إذ وعظهم عظيم ما كانوا فيه في جاهليتهم من البلاء والشقاء بمعاداة بعضهم بعضا وقتل بعضهم بعضا، وخوف بعضهم من بعض، وما صاروا إليه بالإسلام واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم والإيمان به، وبما جاء به من الائتلاف والاجتماع، وأمن بعضهم من بعض، ومصير بعضهم لبعض إخوانا. وكان سبب ذلك ما: حدثنا به ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني ابن إسحاق، قال: ثنا عاصم بن عمر بن قتادة المدني، عن أشياخ من قومه، قالوا: قدم سويد بن صامت أخو بني عمرو بن عوف مكة حاجا أو معتمرا. قال: وكان سويد إنما يسميه قومه فيهم الكامل لجلده وشعره ونسبه وشرفه. قال: فتصدى له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع به، فدعاه إلى الله عز وجل وإلى الإسلام، قال: فقال له سويد: فلعل الذي معك مثل الذي معي! قال: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" «وما الذي معك؟» قال مجلة لقمان يعني حكمة لقمان فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اعرضها علي!» فعرضها عليه، فقال: «إن هذا الكلام حسن، معي أفضل من هذا، قرآن أنزله الله علي هدى ونور» "

قال: فتلا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن ودعاه إلى الإسلام، فلم يبعد منه، وقال: إن هذا القول حسن ثم انصرف عنه، وقدم المدينة، فلم يلبث أن قتلته الخزرج، فإن كان قومه ليقولون: قد قتل وهو مسلم، وكان قتله قبل يوم بعاث.

" هل لكم إلى خير مما جئتم له؟ "

قالوا: وما ذاك؟ قال:

Halaman tidak diketahui