Jami' al-Bayan 'an Ta'wil Ayi al-Qur'an
جامع البيان في تفسير القرآن
[الأحقاف: 16]. حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله: { إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله }... الآية. قال: قال ابن عباس: إن الله يقول يوم القيامة: إن كتابي لم يكتبوا من أعمالكم إلا ما ظهر منها، فأما ما أسررتم في أنفسكم فأنا أحاسبكم به اليوم، فأغفر لمن شئت، وأعذب من شئت. حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا علي بن عاصم، قال: أخبرنا بيان، عن بشر، عن قيس بن أبي حازم، قال: إذا كان يوم القيامة، قال الله عز وجل يسمع الخلائق: إنما كان كتابي يكتبون عليكم ما ظهر منكم، فأما ما أسررتم فلم يكونوا يكتبونه، ولا يعلمونه، أنا الله أعلم بذلك كله منكم، فأغفر لمن شئت، وأعذب من شئت. حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } كان ابن عباس يقول: إذا دعي الناس للحساب، أخبرهم الله بما كانوا يسرون في أنفسهم مما لم يعملوه، فيقول: إنه كان لا يعزب عني شيء، وإني مخبركم بما كنتم تسرون من السوء، ولم تكن حفظتكم عليكم مطلعين عليه. فهذه المحاسبة. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو نميله، عن عبيد بن سليمان، عن الضحاك، عن ابن عباس، نحوه. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } قال: هي محكمة لم ينسخها شيء، يقول: يحاسبكم به الله، يقول: يعرفه الله يوم القيامة أنك أخفيت في صدرك كذا وكذا لا يؤاخذه. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن، قال: هي محكمة لم تنسخ. حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } قال: من الشك واليقين. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } يقول: في اليقين والشك.
حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. فتأويل هذه الآية على قول ابن عباس الذي رواه علي بن أبي طلحة: { وإن تبدوا ما في أنفسكم } من شيء من الأعمال، فتظهروه بأبدانكم وجوارحكم، أو تخفوه فتسروه في أنفسكم، فلم يطلع عليه أحد من خلقي، أحاسبكم به، فأغفر كل ذلك لأهل الإيمان، وأعذب أهل الشرك والنفاق في ديني. وأما على الرواية التي رواها عنه الضحاك من رواية عبيد بن سليمان عنه، وعلى ما قاله الربيع بن أنس، فإن تأويلها: إن تظهروا ما في أنفسكم فتعملوه من المعاصي، أو تضمروا إرادته في أنفسكم، فتخفوه، يعلمكم به الله يوم القيامة، فيغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء. وأما قول مجاهد فشبيه معناه بمعنى قول ابن عباس الذي رواه علي بن أبي طلحة. وقال آخرون ممن قال: «هذه الآية محكمة وهي غير منسوخة» ووافقوا الذين قالوا: «معنى ذلك أن الله عز وجل أعلم عباده ما هو فاعل بهم فيما أبدوا وأخفوا من أعمالهم»: معناها: أن الله محاسب جميع خلقه بجميع ما أبدوا من سيىء أعمالهم، وجميع ما أسروه، ومعاقبهم عليه، غير أن عقوبته إياهم على ما أخفوه مما لم يعملوه ما يحدث لهم في الدنيا من المصائب، والأمور التي يحزنون عليها ويألمون منها. ذكر من قال ذلك: حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله: { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله }... الآية، قال: كانت عائشة رضي الله عنها تقول: من هم بسيئة فلم يعملها أرسل الله عليه من الهم والحزن مثل الذي هم به من السيئة فلم يعملها، فكانت كفارته. حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } قال: كانت عائشة تقول: كل عبد يهم بمعصية، أو يحدث بها نفسه، حاسبه الله بها في الدنيا، يخاف ويحزن ويهتم. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني أبو نميله، عن عبيد، عن الضحاك، قال: قالت عائشة في ذلك: كل عبد هم بسوء ومعصية، وحدث نفسه به، حاسبه الله في الدنيا، يخاف ويحزن ويشتد همه، لا يناله من ذلك شيء، كما هم بالسوء ولم يعمل منه شيئا. حدثنا الربيع، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أمه أنها سألت عائشة عن هذه الآية: { إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } ،
من يعمل سوءا يجز به
[النساء: 123] فقالت: ما سألني عنها أحد مذ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:
" يا عائشة، هذه متابعة الله العبد بما يصيبه من الحمى والنكبة والشوكة، حتى البضاعة يضعها في كمه فيفقدها فيفزع لها، فيجدها في ضبنه حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكير "
وأولى الأقوال التي ذكرناها بتأويل الآية قول من قال: إنها محكمة وليست بمنسوخة، وذلك أن النسخ لا يكون في حكم إلا ينفيه بآخر له ناف من كل وجوهه، وليس في قوله جل وعز:
لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت
[البقرة: 286] نفي الحكم الذي أعلم عباده بقوله: { أو تخفوه يحاسبكم به الله } لأن المحاسبة ليست بموجبة عقوبة، ولا مؤاخذة بما حوسب عليه العبد من ذنوبه، وقد أخبر الله عز وجل عن المجرمين أنهم حين تعرض عليهم كتب أعمالهم يوم القيامة، يقولون:
ويقولون يويلتنا ما لهذا الكتب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها
[الكهف: 49] فأخبر أن كتبهم محصية عليهم صغائر أعمالهم وكبائرها، فلم تكن الكتب وإن أحصت صغائر الذنوب وكبائرها بموجب إحصاؤها على أهل الإيمان بالله ورسوله وأهل الطاعة له، أن يكونوا بكل ما أحصته الكتب من الذنوب معاقبين، لأن الله عز وجل وعدهم العفو عن الصغائر باجتنابهم الكبائر، فقال في تنزيله:
Halaman tidak diketahui