591

Jami' al-Bayan 'an Ta'wil Ayi al-Qur'an

جامع البيان في تفسير القرآن

" إن الله عز وجل يقبل الصدقة بيمينه، ولا يقبل منها إلا ما كان طيبا، والله يربي لأحدكم لقمته كما يربي أحدكم مهره وفصيله، حتى يوافى بها يوم القيامة وهي أعظم من أحد "

وأما قوله: { والله لا يحب كل كفار أثيم } فإنه يعني به: والله لا يحب كل مصر على كفر بربه، مقيم عليه، مستحل أكل الربا وإطعامه، أثيم متماد في الإثم فيما نهاه عنه من أكل الربا والحرام وغير ذلك من معاصيه، لا ينزجر عن ذلك، ولا يرعوي عنه، ولا يتعظ بموعظة ربه التي وعظه بها في تنزيله وآي كتابه.

[2.277]

وهذا خبر من الله عز وجل بأن الذين آمنوا، يعني الذين صدقوا بالله وبرسوله، وبما جاء به من عند ربهم من تحريم الربا وأكله وغير ذلك من سائر شرائع دينه، وعملوا الصالحات التي أمرهم الله عز وجل بها، والتي ندبهم إليها وأقاموا الصلاة المفروضة بحدودها، وأدوها بسننها، وآتوا الزكاة المفروضة عليهم في أموالهم، بعد الذي سلف منهم من أكل الربا، قبل مجيء الموعظة فيه من عند ربهم، لهم أجرهم، يعني ثواب ذلك من أعمالهم وإيمانهم وصدقتهم عند ربهم يوم حاجتهم إليه في معادهم، ولا خوف عليهم يومئذ من عقابه على ما كان سلف منهم في جاهليتهم وكفرهم قبل مجيئهم موعظة من ربهم من أكل ما كانوا أكلوا من الربا بما كان من إنابتهم، وتوبتهم إلى الله عز وجل من ذلك عند مجيئهم الموعظة ربهم، وتصديقهم بوعد الله ووعيده، ولا هم يحزنون على تركهم ما كانوا تركوا في الدنيا من أكل الربا والعمل به إذا عاينوا جزيل ثواب الله تبارك وتعالى، وهم على تركهم ما تركوا من ذلك في الدنيا ابتغاء رضوانه في الآخرة، فوصلوا إلى ما وعدوا على تركه.

[2.278]

يعني جل ثناؤه بذلك: يا أيها الذين آمنوا صدقوا بالله وبرسوله، اتقوا الله، يقول: خافوا الله على أنفسكم فاتقوه بطاعته فيما أمركم به، والانتهاء عما نهاكم عنه، وذروا، يعني ودعوا ما بقي من الربا، يقول: اتركوا طلب ما بقي لكم من فضل على رؤوس أموالكم التي كانت لكم قبل أن تربوا عليها إن كنتم مؤمنين، يقول: إن كنتم محققين إيمانكم قولا، وتصديقكم بألسنتكم بأفعالكم. وذكر أن هذه الآية نزلت في قوم أسلموا، ولهم على قوم أموال من ربا كانوا أربوه عليهم، فكانوا قد قبضوا بعضه منهم، وبقي بعض، فعفا الله جل ثناؤه لهم عما كانوا قد قبضوه قبل نزول هذه الآية، وحرم عليهم اقتضاء ما بقي منه.ذكر من قال ذلك: حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { يحزنون يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربوا } إلى: { ولا تظلمون } قال: نزلت هذه الآية في العباس بن عبد المطلب ورجل من بني المغيرة كانا شريكين في الجاهلية، سلفا في الربا إلى أناس من ثقيف من بني عمرو، وهم بنو عمرو بن عمير، فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة في الربا، فأنزل الله { ذروا ما بقى } من فضل كان في الجاهلية { من الربوا }. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج قوله: { يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربوا إن كنتم مؤمنين } قال: كانت ثقيف قد صالحت النبي صلى الله عليه وسلم على أن ما لهم من ربا على الناس، وماكان للناس عليهم من ربا فهو موضوع. فلما كان الفتح، استعمل عتاب بن أسيد على مكة، وكانت بنو عمرو بن عمير بن عوف يأخذون الربا من بني المغيرة وكانت بنو المغيرة يربون لهم في الجاهلية، فجاء الإسلام ولهم عليهم مال كثير. فأتاهم بنو عمرو يطلبون رباهم، فأبى بنو المغيرة أن يعطوهم في الإسلام، ورفعوا ذلك إلى عتاب بن أسيد، فكتب عتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت: { يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربوا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله } إلى: { ولا تظلمون } ، فكتب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عتاب وقال:

" إن رضوا وإلا فآذنهم بحرب "

قال ابن جريج، عن عكرمة قوله: { اتقوا الله وذروا ما بقى من الربوا }. قال: كانوا يأخذون الربا على بني المغيرة يزعمون أنهم مسعود وعبد ياليل وحبيب وربيعة بنو عمرو بن عمير، فهم الذين كان لهم الربا على بني المغيرة، فأسلم عبد ياليل وحبيب وربيعة وهلال ومسعود. حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا جويبر، عن الضحاك في قوله: { اتقوا الله وذروا ما بقى من الربوا إن كنتم مؤمنين } قال: كان ربا يتبايعون به في الجاهلية، فلما أسلموا أمروا أن يأخذوا رؤوس أموالهم.

[2.279]

يعني جل ثناؤه بقوله: { فإن لم تفعلوا } فإن لم تذروا ما بقي من الربا. واختلف القراء في قراءة قوله: { فأذنوا بحرب من الله ورسوله } فقرأته عامة قراء أهل المدينة: { فأذنوا } بقصر الألف من فأذنوا وفتح ذالها، بمعنى وكونوا على علم وإذن. وقرأه آخرون وهي قراءة عامة قراء الكوفيين: «فآذنوا» بمد الألف من قوله: «فآذنوا» وكسر ذالها، بمعنى: فآذنوا غيركم، أعلموهم وأخبروهم بأنكم على حربهم. وأولى القراءتين بالصواب في ذلك، قراءة من قرأ: { فأذنوا } بقصر ألفها وفتح ذالها، بمعنى: اعلموا ذلك واستيقنوه، وكونوا على إذن من الله عز وجل لكم بذلك. وإنما اخترنا ذلك، لأن الله عز وجل أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن ينبذ إلى من أقام على شركه الذي لا يقر على المقام عليه، وأن يقتل المرتد عن الإسلام منهم بكل حال إلا أن يراجع الإسلام، أذنه المشركون بأنهم على حربه أولم يأذنوه، فإذ كان المأمور بذلك لا يخلو من أحد أمرين، إما أن يكون كان مشركا مقيما على شركه الذي لا يقر عليه، أو يكون كان مسلما فارتد وأذن بحرب، فأي الأمرين كان، فإنما نبذ إليه بحرب، لا أنه أمر بالإيذان بها إن عزم على ذلك، لأن الأمر إن كان إليه فأقام على أكل الربا مستحلا له، ولم يؤذن المسلمون بالحرب، لم يلزمهم حربه، وليس ذلك حكمه في واحدة من الحالين، فقد علم أنه المأذون بالحرب لا الآذن بها. وعلى هذا التأويل تأوله أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس في قوله:

Halaman tidak diketahui