Jami' al-Bayan 'an Ta'wil Ayi al-Qur'an
جامع البيان في تفسير القرآن
وأسدا ما ينهنهنا اللقاء
وأما منافع الميسر فيما يصيبون فيه من أنصباء الجزور، وذلك أنهم كانوا يياسرون على الجزور، وإذا أفلج الرجل منهم صاحبه نحره، ثم اقتسموا أعشارا على عدد القداح، وفي ذلك يقول أعشى بني ثعلبة:
وجزور أيسار دعوت إلى الندى
ونياط مقفرة أخاف ضلالها
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم،قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: المنافع ههنا: ما يصيبون من الجزور. حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط عن السدي: أما منافعهما فإن منفعة الخمر في لذته وثمنه، ومنفعة الميسر فيما يصاب من القمار.
حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: ثنا ابن أبي زائدة، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس } قال: منافعهما قبل أن يحرما. حدثنا علي بن داود، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: { ومنافع للناس } قال: يقول فيما يصيبون من لذتها وفرحها إذا شربوها. واختلف القراء في قراءة ذلك، فقرأه عظم أهل المدينة وبعض الكوفيين والبصريين { قل فيهما إثم كبير } بالباء، بمعنى: قل في شرب هذه والقمار هذا كبير من الآثام. وقرأه آخرون من أهل المصرين، البصرة والكوفة: «قل فيهما إثم كثير» بمعنى الكثرة من الآثام، وكأنهم رأوا أن الإثم بمعنى الآثام، وإن كان في اللفظ واحدا فوصفوه بمعناه من الكثرة. وأولى القراءتين في ذلك بالصواب قراءة من قرأه بالباء: { قل فيهما إثم كبير } لإجماع جميعهم على قوله: { وإثمهما أكبر من نفعهما } وقراءته بالباء وفي ذلك دلالة بينة على أن الذي وصف به الإثم الأول من ذلك هو العظم والكبر، لا الكثرة في العدد. ولو كان الذي وصف به من ذلك الكثرة، لقيل وإثمهما أكثر من نفعهما. القول في تأويل قوله تعالى: { وإثمهما أكبر من نفعهما }. يعني بذلك عز ذكره: والإثم بشرب هذه والقمار هذا، أعظم وأكبر مضرة عليهم من النفع الذي يتناولون بهما. وإنما كان ذلك كذلك، لأنهم كانوا إذا سكروا وثب بعضهم على بعض وقاتل بعضهم بعضا، وإذا ياسروا وقع بينهم فيه بسببه الشر، فأداهم ذلك إلى ما يأثمون به. ونزلت هذه الآية في الخمر قبل أن يصرح بتحريمها، فأضاف الإثم جل ثناؤه إليهما، وإنما الإثم بأسبابهما، إذ كان عن سببهما يحدث. وقد قال عدد من أهل التأويل: معنى ذلك: وإثمهما بعد تحريمهما أكبر من نفعهما قبل تحريمهما. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: { وإثمهما أكبر من نفعهما } قال: منافعهما قبل التحريم، وإثمهما بعدما حرما. حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه عن الربيع: { ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما } ينزل المنافع قبل التحريم، والإثم بعد ما حرم. حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرني عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { وإثمهما أكبر من نفعهما } يقول: إثمهما بعد التحريم أكبر من نفعهما قبل التحريم. حدثني علي بن داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: { وإثمهما أكبر من نفعهما } يقول: ما يذهب من الدين والإثم فيه أكبر مما يصيبون في فرحها إذا شربوها.
وإنما اخترنا ما قلنا في ذلك من التأويل لتواتر الأخبار وتظاهرها بأن هذه نزلت قبل تحريم الخمر والميسر، فكان معلوما بذلك أن الإثم الذي ذكر الله في هذه الآية فأضافه إليهما إنما عنى به الإثم الذي يحدث عن أسبابهما على ما وصفنا، لا الإثم بعد التحريم. ذكر الأخبار الدالة على ما قلنا من أن هذه الآية نزلت قبل تحريم الخمر: حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا قيس، عن سالم، عن سعيد بن جبير، قال: لما نزلت: { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس } فكرهها قوم لقوله: { فيهما إثم كبير } وشربها قوم لقوله: { ومنافع للناس } ، حتى نزلت:
يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلوة وأنتم سكرى حتى تعلموا ما تقولون
[النساء: 43] قال: فكانوا يدعونها في حين الصلاة ويشربونها في غير حين الصلاة، حتى نزلت: { إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه } فقال عمر: ضيعة لك اليوم قرنت بالميسر. حدثني محمد بن معمر، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا محمد بن أبي حميد، عن أبي توبة المصري، قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: أنزل الله عز وجل في الخمر ثلاثا، فكان أول ما أنزل: { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير } الآية، فقالوا: يا رسول الله ننتفع بها ونشربها، كما قال الله جل وعز في كتابه. ثم نزلت هذه الآية:
يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلوة وأنتم سكرى...
Halaman tidak diketahui