Jami' al-Bayan 'an Ta'wil Ayi al-Qur'an
جامع البيان في تفسير القرآن
والملك صفا صفا
[الفجر: 22] فظن أنه مخالف معناه معنى قوله { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة } إذ كان قوله «والملائكة» في هذه الآية بلفظ جمع، وفي الأخرى بلفظ الواحد. فإن ذلك خطأ من الظان، وذلك أن الملك في قوله:
وجآء ربك والملك
[الفجر: 22] بمعنى الجميع، ومعنى الملائكة، والعرب تذكر الواحد بمعنى الجميع، فتقول: فلان كثير الدرهم والدينار، يراد به الدراهم والدنانير، وهلك البعير والشاة بمعنى جماعة الإبل والشاء، فكذلك قوله: { والملك } بمعنى الملائكة. ثم اختلف أهل التأويل في قوله: { ظلل من الغمام } وهل هو من صلة فعل الله جل ثناؤه، أو من صلة فعل الملائكة، ومن الذي يأتي فيها؟ فقال بعضهم: هو من صلة فعل الله، ومعناه: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام، وأن تأتيهم الملائكة. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام } قال: هو غير السحاب لم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم حين تاهوا، وهو الذي يأتي الله فيه يوم القيامة. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام } قال: يأتيهم الله وتأتيهم الملائكة عند الموت. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال عكرمة في قوله: { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام } قال: طاقات من الغمام والملائكة حوله. قال ابن جريج وقال غيره: والملائكة بالموت. وقول عكرمة هذا وإن كان موافقا قول من قال: إن قوله في ظلل من الغمام من صلة فعل الرب تبارك وتعالى الذي قد تقدم ذكرناه، فإنه له مخالف في صفة الملائكة وذلك أن الواجب من القراءة على تأويل قول عكرمة هذا في الملائكة الخفض، لأنه تأول الآية: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام وفي الملائكة، لأنه زعم أن الله تعالى يأتي في ظلل من الغمام والملائكة حوله.
هذا إن كان وجه قوله والملائكة حوله، إلى أنهم حول الغمام، وجعل الهاء في حوله من ذكر الغمام وإن كان وجه قوله: والملائكة حوله إلى أنهم حول الرب تبارك وتعالى، وجعل الهاء في حوله من ذكر الرب عز جل، فقوله نظير قول الأخرين الذين قد ذكرنا قولهم غير مخالفهم في ذلك. وقال آخرون: بل قوله { في ظلل من الغمام } من صلة فعل الملائكة، وإنما تأتي الملائكة فيها، وأما الرب تعالى ذكره فإنه يأتي فيما شاء. ذكر من قال ذلك: حدثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة... } الآية، قال: ذلك يوم القيامة، تأتيهم الملائكة في ظلل من الغمام. قال: الملائكة يجيئون في ظلل من الغمام، والرب تعالى يجيء فيما شاء. وأولى التأويلين بالصواب في ذلك تأويل من وجه قوله: { في ظلل من الغمام } إلى أنه من صلة فعل الرب عز وجل، وأن معناه: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام، وتأتيهم الملائكة. لما: حدثنا به محمد بن حميد، قال: ثنا إبراهيم بن المختار، عن ابن جريج، عن زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" إن من الغمام طاقات يأتي الله فيها محفوفا "
وذلك قوله: { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر }. وأما معنى قوله: { هل ينظرون } فإنه ما ينظرون، وقد بينا ذلك بعلله فيما مضى من كتابنا هذا قبل. ثم اختلف في صفة إتيان الرب تبارك وتعالى الذي ذكره في قوله: { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله } فقال بعضهم: لا صفة لذلك غير الذي وصف به نفسه عز وجل من المجيء والإتيان والنزول، وغير جائز تكلف القول في ذلك لأحد إلا بخبر من الله جل جلاله، أو من رسول مرسل. فأما القول في صفات الله وأسمائه، فغير جائز لأحد من جهة الاستخراج إلا بما ذكرنا. وقال آخرون: إتيانه عز وجل نظير ما يعرف من مجيء الجائي من موضع إلى موضع وانتقاله من مكان إلى مكان. وقال آخرون: معنى قوله: { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله } يعني به: هل ينظرون إلا أن يأتيهم أمر الله، كما يقال: قد خشينا أن يأتينا بنو أمية، يراد به حكمهم. وقال آخرون: بل معنى ذلك: هل ينظرون إلا أن يأتيهم ثوابه وحسابه وعذابه، كما قال عز وجل:
بل مكر اليل والنهار
[سبأ: 33] وكما يقال: قطع الوالي اللص أو ضربه، وإنما قطعه أعوانه. وقد بينا معنى الغمام فيما مضى من كتابنا هذا قبل فأغنى ذلك عن تكريره، لأن معناه ههنا هو معناه هنالك.
فمعنى الكلام إذا: هل ينظر التاركون الدخول في السلم كافة والمتبعون خطوات الشيطان إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام، فيقضي في أمرهم ما هو قاض. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن إسماعيل بن رافع المديني، عن يزيد بن أبي زياد، عن رجل من الأنصار، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
Halaman tidak diketahui