Jami' al-Bayan 'an Ta'wil Ayi al-Qur'an
جامع البيان في تفسير القرآن
فأخبر الله تعالى أنهم في قيلهم ذلك كذبة، والتكذيب لا يقع في التمني، ولكن صاحب هذه المقالة أظن به أنه لم يتدبر التأويل ولزم سنن العربية. والقراءة التي لا أختار غيرها في ذلك: «يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين» بالرفع في كليهما، بمعنى: يا ليتنا نرد، ولسنا نكذب بآيات ربنا إن رددنا، ولكنا نكون من المؤمنين على وجه الخبر منهم عما يفعلون إن هم ردوا إلى الدنيا، لا على التمني منهم أن لا يكذبوا بآيات ربهم ويكونوا من المؤمنين لأن الله تعالى ذكره قد أخبر عنهم أنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه، وأنهم كذبة في قيلهم ذلك.
ولو كان قيلهم ذلك على وجه التمني لاستحال تكذيبهم فيه، لأن التمني لا يكذب، وإنما يكون التصديق والتكذيب في الأخبار. وأما النصب في ذلك، فإني أظن بقارئه أنه برجاء تأويل قراءة عبد الله التي ذكرناها عنه، وذلك قراءته ذلك: «يا ليتنا نرد فلا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين» على وجه جواب التمني بالفاء. وهو إذا قرىء بالفاء كذلك لا شك في صحة إعرابه، ومعناه في ذلك أن تأويله إذا قرىء كذلك: لو أنا رددنا إلى الدنيا ما كذبنا بآيات ربنا، ولكنا من المؤمنين. فإن يكن الذي حكي عن العرب من السماع منهم الجواب بالواو و«ثم» كهئية الجواب بالفاء صحيحا، فلا شك في صحة قراءة من قرأ ذلك:
يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون
نصبا على جواب التمني بالواو، على تأويل قراءة عبد الله ذلك بالفاء، وإلا فإن القراءة بذلك بعيدة المعنى من تأويل التنزيل. ولست أعلم سماع ذلك من العرب صحيحا، بل المعروف من كلامها الجواب بالفاء والصرف بالواو.
[6.28]
يقول تعالى ذكره: ما قصد هؤلاء العادلين بربهم الجاحدين نبوتك يا محمد في قيلهم إذ وقفوا على النار: يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين، الأسى والندم على ترك الإيمان بالله والتصديق بك لكن بهم الإشفاق مما هو نازل بهم من عقاب الله وأليم عذابه على معاصيهم التي كانوا يخفونها عن أعين الناس ويسترونها منهم، فأبداها الله منهم يوم القيامة وأظهرها على رءوس الأشهاد، ففضحهم بها ثم جازاهم بها جزاءهم. يقول: { بل بدا لهم ما كانوا يخفون } من أعمالهم السيئة التي كانوا يخفونها، { من قبل } ذلك في الدنيا، فظهرت. { ولو ردوا } يقول: ولو ردوا إلى الدنيا فأمهلوا { لعادوا لما نهوا عنه } يقول: لرجعوا إلى مثل العمل الذي كانوا يعملونه في الدنيا قبل ذلك من جحود آيات الله والكفر به والعمل بما يسخط عليهم ربهم. { وإنهم لكاذبون } في قيلهم: لو رددنا لم نكذب بآيات ربنا وكنا من المؤمنين، لأنهم قالوه حين قالوه خشية العذاب لا إيمانا بالله. وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل } يقول: بدت لهم أعمالهم في الآخرة التي أخفوها في الدنيا. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: { بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل } قال: من أعمالهم. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه } يقول: ولو وصل الله لهم دنيا كدنياهم، لعادوا إلى أعمالهم أعمال السوء.
[6.29]
وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن هؤلاء المشركين العادلين به الأوثان والأصنام الذين ابتدأ هذه السورة بالخبر عنهم، يقول تعالى ذكره: { وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا } يخبر عنهم أنهم ينكرون أن الله يحي خلقه بعد أن يميتهم، ويقولون: لا حياة بعد الممات ولا بعث ولا نشور بعد الفناء. فهم بجحودهم ذلك وإنكارهم ثواب الله وعقابه في الدار الآخرة، لا يبالون ما أتوا وما ركبوا من إثم ومعصية لأنهم لا يرجون ثوابا على إيمان بالله وتصديق برسوله وعمل صالح بعد موت، ولا يخافون عقابا على كفرهم بالله ورسوله وسيىء من عمل يعملونه. وكان ابن زيد يقول: هذا خبر من الله تعالى عن هؤلاء الكفرة الذين وقفوا على النار، أنهم لو ردوا إلى الدنيا لقالوا: { إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين }. حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:
ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه
وقالوا حين يردون:
Halaman tidak diketahui