Jami' al-Bayan 'an Ta'wil Ayi al-Qur'an
جامع البيان في تفسير القرآن
" إذا رأى الناس المنكر فلم يغيروه والظالم فلم يأخذوا على يديه، فيوشك أن يعمهم الله منه بعقاب ".
حدثنا الربيع، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا سعيد بن سالم، قال: ثنا منصور بن دينار، عن عبد الملك بن ميسرة، عن قيس بن أبي حازم، قال: صعد أبو بكر المنبر، منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أيها الناس إنكم لتتلون آية من كتاب الله، وتعدونها رخصة والله ما أنزل الله في كتابه أشد منها: { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليعمنكم الله منه بعقاب.
حدثنا محمد بن سيار، قال: ثنا إسحاق بن إدريس، قال: ثنا سعيد بن زيد، قال: ثنا مجالد بن سعيد، عن قيس بن أبي حازم، قال: سمعت أبا بكر يقول وهو يخطب الناس: يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية، ولا تدرون ما هي: { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" إن الناس إذا رأوا منكرا فلم يغيروه عمهم الله بعقاب ".
وقال آخرون: بل معنى هذه الآية: لا يضركم من حاد عن قصد السبيل وكفر بالله من أهل الكتاب. ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، في قوله: { لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } قال: يعني: من ضل من أهل الكتاب. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في هذه الآية: { لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } قال: أنزلت في أهل الكتاب. وقال آخرون: عني بذلك كل من ضل عن دين الله الحق. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } قال: كان الرجل إذا أسلم، قالوا له: سفهت آباءك وضللتهم، وفعلت وفعلت، وجعلت آباءك كذا وكذا، كان ينبغي لك أن تنصرهم وتفعل فقال الله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم }. وأولى هذه الأقوال، وأصح التأويلات عندنا بتأويل هذه الآية ما روي عن أبي بكر الصديق فيها، وهو: { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم }: الزموا العمل بطاعة الله، وبما أمركم به، وانتهوا عما نهاكم الله عنه. { لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } يقول: فإنه لا يضركم ضلال من ضل إذا أنتم رمتم العمل بطاعة الله، وأديتم فيمن ضل من الناس ما ألزمكم الله به فيه من فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي يركبه أو يحاول ركوبه، والأخذ على يديه إذا رام ظلما لمسلم أو معاهد ومنعه منه فأبى النزوع عن ذلك، ولا ضير عليكم في تماديه في غيه وضلاله إذا أنتم اهتديتم وأديتم حق الله تعالى فيه. وإنما قلنا ذلك أولى التأويلات في ذلك بالصواب، لأن الله تعالى أمر المؤمنين أن يقوموا بالقسط ويتعاونوا على البر والتقوى ومن القيام بالقسط: الأخذ على يد الظالم ومن التعاون على البر والتقوى: الأمر بالمعروف.
وهذا مع ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمره بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولو كان للناس ترك ذلك، لم يكن للأمر به معنى إلا في الحال التي رخص فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك ذلك، وهي حال العجز عن القيام به بالجوارح الظاهرة فيكون مرخصا له تركه إذا قام حينئذ بأداء فرض الله عليه في ذلك بقلبه. وإذا كان ما وصفنا من التأويل بالآية أولى، فبين أنه قد دخل في معنى قوله: { إذا اهتديتم } ما قاله حذيفة وسعيد بن المسيب، من أن ذلك: أذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر، ومعنى ما رواه أبو ثعلبة الخشني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. القول في تأويل قوله تعالى: { إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون }. يقول تعالى ذكره للمؤمنين من عباده: اعملوا أيها المؤمنون بما أمرتكم به، وانتهوا عما نهيتكم عنه، ومروا أهل الزيغ والضلال وما حاد عن سبيلي بالمعروف، وانهوهم عن المنكر فإن قبلوا فلهم ولكم، وإن تمادوا في غيهم وضلالهم فإن إلي مرجع جميعكم ومصيركم في الآخرة ومصيرهم، وأنا العالم بما يعمل جميعكم من خير وشر ، فأخبر هناك كل فريق منكم بما كان يعمله في الدنيا ثم أجازيه على عمله الذي قدم به علي جزاءه حسب استحقاقه، فإنه لا يخفى علي عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى.
[5.106]
يقول تعالى ذكره للمؤمنين به: { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم } يقول: ليشهد بينكم { إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية } يقول: وقت الوصية، { اثنان ذوا عدل منكم } يقول: ذوا رشد وعقل وحجا من المسلمين. كما: حدثنا محمد بن بشار، وعبيد الله بن يوسف الجبيري، قالا: ثنا مؤمل بن إسماعيل، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، في قوله:
وأشهدوا ذوي عدل منكم
قال: ذوا عقل. واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: { ذوا عدل منكم } فقال بعضهم: عني به: من أهل ملتكم. ذكر من قال ذلك: حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، قال: شاهدان ذوا عدل منكم من المسلمين. حدثنا عمران بن موسى القزاز، قال: ثنا عبد الوارث بن سعيد، قال: ثنا إسحاق بن سويد، عن يحيى بن يعمر، في قوله: { اثنان ذوا عدل منكم } من المسلمين. حدثنا ابن بشار وابن المثنى، قالا: ثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، في قوله: { اثنان ذوا عدل منكم } قال: اثنان من أهل دينكم. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، عن أشعث، عن ابن سيرين، عن عبيدة، قال: سألته، عن قول الله تعالى: { اثنان ذوا عدل منكم } قال: من الملة. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، عن هشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة، بمثله، إلا أنه قال فيه: من أهل الملة. حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن هشام، عن ابن سيرين، قال: سألت عبيدة عن هذه الآية: { اثنان ذوا عدل منكم } قال: من أهل الملة. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن عبيدة، مثله. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حسين، عن زائدة، عن هشام، عن ابن سيرين، قال: سألت عبيدة، فذكر مثله. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن مهدي، عن حماد، عن ابن أبي نجيح، وقال: ثنا مالك بن إسماعيل، عن حماد بن زيد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: { ذوا عدل منكم } قال: ذوا عدل من أهل الإسلام. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { ذوا عدل منكم } قال: من المسلمين. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: كان سعيد بن المسيب يقول: { اثنان ذوا عدل منكم }: أي من أهل الإسلام. وقال آخرون: عني بذلك: ذوا عدل من حي الموصي، وذلك قول روي عن عكرمة وعبيدة وعدة غيرهما.
Halaman tidak diketahui