1141

Jami' al-Bayan 'an Ta'wil Ayi al-Qur'an

جامع البيان في تفسير القرآن

فأتى عمر فذكر ذلك له وإلى جنبه عبد الرحمن بن عوف، فأقبل على عبد الرحمن فكلمه، ثم أقبل على الرجل، فقال: أهد عنزا عفراء حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم أنه كان يقول: ما أصاب المحرم من شيء لم يمض فيه حكومة، استقبل به، فيحكم فيه ذوا عدل. حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثني وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن يعلي، عن عمرو بن حبشي قال: سمعت رجلا يسأل عبد الله بن عمر عن رجل أصاب ولد أرنب فقال: فيه ولد ماعز فيما أرى أنا. ثم قال لي: أكذاك؟ فقلت: أنت أعلم مني. فقال: قال الله تعالى: { يحكم به ذوا عدل منكم }. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عدي، وسهل بن يوسف، عن حميد، عن بكر: أن رجلين أبصرا ظبيا وهما محرمان، فتراهنا، وجعل كل واحد منهما لمن سبق إليه. فسبق إليه أحدهما، فرماه بعصاه فقتله. فلما قدما مكة، أتيا عمر يختصمان إليه وعنده عبد الرحمن بن عوف. فذكرا ذلك له، فقال عمر: هذا قمار، ولا أجيزه ثم نظر إلى عبد الرحمن، فقال: ما ترى؟ قال: شاة. فقال عمر: وأنا أرى ذلك. فلما قفى الرجلان من عند عمر، قال أحدهما لصاحبه: ما درى عمر ما يقول حتى سأل الرجل فردهما عمر فقال: إن الله تعالى لم يرض بعمر وحده فقال: { يحكم به ذوا عدل منكم } وأنا عمر، وهذا عبد الرحمن بن عوف. وقال آخرون: بل ينظر العدلان إلى الصيد المقتول فيقومانه قيمته دراهم، ثم يأمران القاتل أن يشتري بذلك من النعم هديا. فالحاكمان يحكمان في قول هؤلاء بالقيمة، وإنما يحتاج إليهما لتقويم الصيد قيمته في الموضع الذي أصابه فيه. وقد ذكرنا عن إبراهيم النخعي فيما مضى قبل أنه كان يقول: ما أصاب المحرم من شيء حكم فيه قيمته، وهو قول جماعة من متفقهة الكوفيين. وأما قوله: { هديا } فإنه مصدر على الحال من الهاء التي في قوله: { يحكم به } ، وقوله: { بالغ الكعبة } من نعت الهدي وصفته. وإنما جاز أن ينعت به وهو مضاف إلى معرفة، لأنه في معنى النكرة، وذلك أن معنى قوله: { بالغ الكعبة } يبلغ الكعبة، فهو وإن كان مضافا فمعناه التنوين، لأنه بمعنى الاستقبال، وهو نظير قوله: هذا عارض ممطرنا فوصف بقوله: «ممطرنا» عارضا، لأن في «ممطرنا» معنى التنوين، لأن تأويله الإستقبال، فمعناه: هذا عارض يمطرنا، فكذلك ذلك في قوله: { هديا بالغ الكعبة }. القول في تأويل قوله تعالى: { أو كفارة طعام مساكين }. يقول تعالى ذكره: أو عليه كفارة طعام مساكين. والكفارة معطوفة على «الجزاء» في قوله: { فجزاء مثل ما قتل من النعم }. واختلف القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء أهل المدينة: { أو كفارة طعام مساكين } بالإضافة.

وأما قراء أهل العراق، فإن عامتهم قرءوا ذلك بتنوين الكفارة ورفع الطعام: { أو كفارة طعام مساكين }. وأولى القراءتين في ذلك عندنا بالصواب، قراءة من قرأ بتنوين الكفارة ورفع الطعام، للعلة التي ذكرناها في قوله: { فجزاء مثل ما قتل من النعم }. واختلف أهل التأويل في معنى قوله: { أو كفارة طعام مساكين } فقال بعضهم: معنى ذلك أن القاتل وهو محرم صيدا عمدا، لا يخلو من وجوب بعض هذه الأشياء الثلاثة التي ذكر الله تعالى من مثل المقتول هديا بالغ الكعبة، أو طعام مسكين كفارة لما فعل، أو عدل ذلك صياما، لأنه مخير في أي ذلك شاء فعل، وأنه بأيها كان كفر فقد أدى الواجب عليه وإنما ذلك إعلام من الله تعالى عباده أن قاتل ذلك كما وصف لن يخرج حكمه من إحدى الخلال الثلاثة. قالوا: فحكمه إن كان على المثل قادرا أن يحكم عليه بمثل المقتول من النعم، لا يجزيه غير ذلك ما دام للمثل واجدا. قالوا: فإن لم يكن له واجدا، أو لم يكن للمقتول مثل من النعم، فكفارته حينئذ إطعام مساكين. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: { ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره } قال: إذ قتل المحرم شيئا من الصيد حكم عليه فيه، فإن قتل ظبيا أو نحوه فعليه شاة تذبح بمكة. فإن لم يجدها، فإطعام ستة مساكين. فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام. وإن قتل أيلا أو نحوه، فعليه بقرة. فإن لم يجد، أطعم عشرين مسكينا، فإن لم يجد صام عشرين يوما. وإن قتل نعامة أو حمار أو وحش أو نحوه، فعليه بدنة من الإبل. فإن لم يجد أطعم ثلاثين مسكينا، فإن لم يجد صام ثلاثين يوما. والطعام مد مد يشبعهم. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: { يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم }... إلى قوله: { يحكم به ذوا عدل منكم } فالكفارة من قتل ما دون الأرنب إطعام. حدثنا هناد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن الحكم، عن ابن عباس، قال: إذا أصاب المحرم الصيد حكم عليه جزاؤه من النعم، فإن وجد جزاء ذبحه فتصدق به، وإن لم يجد جزاءه قوم الجزاء دراهم، ثم قومت الدراهم حنطة، ثم صام مكان كل صاع يوما. قال: إنما أريد بالطعام: الصوم، فإذا وجد طعاما وجد جزاء.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حميد بن عبد الرحمن، عن زهير، عن جابر، عن عطاء ومجاهد وعامر: { أو عدل ذلك صياما ليذوق } قال: إنما الطعام لمن لم يجد الهدي. حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم أنه كان يقول: إذا أصاب المحرم شيئا من الصيد عليه جزاؤه من النعم، فإن لم يجد قوم الجزاء دراهم، ثم قومت الدراهم طعاما، ثم صام لكل نصف صاع يوما. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن حماد، قال: إذا أصاب المحرم الصيد فحكم عليه، فإن فضل منه ما لا يتم نصف صاع صام له يوما، ولا يكون الصوم إلا على من لم يجد ثمن هدي فيحكم عليه الطعام. فإن لم يكن عنده طعام يتصدق به، حكم عليه الصوم، فصام مكان كل نصف صاع يوما. { كفارة طعام مساكين } قال: فيما لا يبلغ ثمن هدي. { أو عدل ذلك صياما } من الجزاء إذا لم يجد ما يشتري به هديا، أو ما يتصدق به، مما لا يبلع ثمن هدي، حكم عليه الصيام مكان كل نصف صاع يوما. حدثنا هناد، قال: ثنا ابن أبي زائدة، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قال مجاهد: { ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم } قال: عليه من النعم مثله هديا بالغ الكعبة، ومن لم يجد ابتاع بقيمته طعاما، فيطعم كل مسكين مدين، فإن لم يجد صام عن كل مدين يوما. حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { ومن قتله منكم متعمدا }... إلى قوله: { ومن عاد فينتقم الله منه } قال: إذ قتل صيدا فعليه جزاؤه مثل ما قتل من النعم، فإن لم يجد ما حكم عليه قوم الفداء كم هو درهما، وقدر ثمن ذلك بالطعام على المسكين، فصام عن كل مسكين يوما، ولا يحل طعام المسكين، لأن من وجد طعام المسكين فهو يجد الفداء. حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: قال لي الحسن بن مسلم: من أصاب الصيد مما جزاؤه شاة، فذلك الذي قال الله تعالى: { فجزاء ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم } وما كان من كفارة طعام مساكين مثل العصفور يقتل ولا يبلغ أن يكون فيه هدي { أو عدل ذلك صياما ليذوق } قال عدل النعامة أو العصفور، أو عدل ذلك كله. فذكرت ذلك لعطاء، فقال: كل شيء في القرآن «أو أو»، فلصاحبه أن يختار ما شاء. حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، في قوله { لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم } فإن لم يجد جزاء، قوم عليه الجزاء طعاما ثم صاع لكل صاع يومين، وقال آخرون: معنى ذلك: أن للقاتل صيدا عمدا وهو محرم، الخيار بين إحدى الكفارات الثلاث وهي الجزاء بمثله من النعم والطعام والصوم.

قالوا: وإنما تأويل قوله: { فجزاء مثل ما قتل من النعم أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما } فعليه أن يجزي بمثله من النعم، أو يكفر بإطعام مساكين أو بعدل الطعام من الصيام. ذكر من قال ذلك: حدثنا هناد بن السري، قال: ثنا ابن أبي زائدة، قال: أخبرنا ابن جريج، عن عطاء، في قول الله تعالى: { فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما } قال: إن أصاب إنسان محرم نعامة، فإن له أن كان ذا يسار أن يهدي ما شاء جزورا أو عدلها طعاما أو عدلها صياما. قال: كل شيء في القرآن «أو أو»، فليختر منه صاحبه ما شاء. حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حجاج، عن عطاء، في قوله: { فجزاء مثل ما قتل من النعم } قال: ما كان في القرآن «أو كذا أو كذا»، فصاحبه فيه بالخيار، أي ذلك شاء فعل. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أسباط وعبد الأعلى، عن داود، عن عكرمة، قال: ما كان في القرآن «أو أو»، فهو فيه بالخيار، وما كان «فمن لم يجد» فالأول، ثم الذي يليه. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حفص، عن عمرو، عن الحسن، مثله. حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا ليث، عن عطاء ومجاهد، أنهما قالا في قوله: { فجزاء مثل ما قتل من النعم } قالا: ما كان في القرآن «أو كذا أو كذا»، فصاحبه فيه بالخيار أي ذلك شاء فعل. حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك: ما كان في القرآن «أو كذا أو كذا»، فصاحبه فيه بالخيار، أي ذلك شاء فعل. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا أبو حمزة، عن الحسن. قال: وأخبرنا عبيدة، عن إبراهيم قالا: كل شيء في القرآن «أو أو»، فهو بالخيار، أي ذلك شاء فعل. حدثنا هناد، قال: ثنا حفص، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: كل شيء في القرآن «أو أو» فصاحبه مخير فيه، وكل شيء فمن لم يجد فالأول، ثم الذي يليه. واختلف القائلون بتخيير قاتل الصيد من المحرمين بين الأشياء الثلاثة في صفة اللازم له من التكفير بالإطعام والصوم إذا اختار الكفارة بأحدهما دون الهدي، فقال بعضهم: إذا اختار التكفير بذلك، فإن الواجب عليه أن يقوم المثل من النعم طعاما، ثم يصوم مكان كل مد يوما. ذكر من قال ذلك: حدثنا هناد، قال: أخبرنا ابن أبي زائدة، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قلت لعطاء: ما { أو عدل ذلك صياما }؟ قال: إن أصاب ما عدله شاة أقيمت الشاة طعاما، ثم جعل مكان كل مد يوما يصومه.

وقال آخرون: بل الواجب عليه إذا أراد التكفير بالإطعام أو الصوم، أن يقوم الصيد المقتول طعاما، ثم يتصدق بالطعام إن اختار الصدقة، وإن اختار الصوم صام. ثم اختلفوا أيضا في الصوم، فقال بعضهم: يصوم لكل مد يوما. وقال آخرون: يصوم مكان كل نصف صاع يوما. وقال آخرون: يصوم مكان كل صاع يوما. ذكر من قال: المتقوم للإطعام هو الصيد المقتول: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا جامع بن حماد، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا شعبة، عن قتادة: { يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد }... الآية، قال: كان قتادة يقول: يحكمان في النعم، فإن كان ليس صيده ما يبلغ ذلك، نظروا ثمنه فقوموه طعاما، ثم صام مكان كل صاع يومين. وقال آخرون: لا معنى للتكفير بالإطعام، لأن من وجد سبيلا إلى التكفير بالإطعام، فهو واجد إلى الجزاء بالمثل من النعم سبيلا، ومن وجد إلى الجزاء بالمثل من النعم سبيلا لم يجزه التكفير بغيره. قالوا: وإنما ذكر الله تعالى ذكره الكفارة بالإطعام في هذا الموضع ليدل على صفة التكفير بالصوم لا أنه جعل التكفير بالإطعام إحدى الكفارات التي يكفر بها قتل الصيد، وقد ذكرنا تأويل ذلك فيما مضى قبل. وأولى الأقوال بالصواب عندي في قوله الله تعالى: { فجزاء مثل ما قتل من النعم } أن يكون مرادا به: فعلى قاتله متعمدا مثل الذي قتل من النعم، لا القيمة إن اختار أن يجزيه بالمثل من النعم وذلك أن القيمة إنما هي من الدنانير أو الدراهم أو الدنانير ليست للصيد بمثل، والله تعالى إنما أوجب الجزاء مثلا من النعم. وأولى الأقوال بالصواب عندي في قوله: { أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما }: أن يكون تخييرا، وأن يكون للقاتل الخيار في تكفيره بقتله الصيد وهو محرم بأي هذه الكفارات الثلاث شاء، لأن الله تعالى جعل ما أوجب في قتل الصيد من الجزاء والكفارة عقوبة لفعله، وتكفيرا لذنبه في إتلافه ما أتلف من الصيد الذي كان حراما عليه إتلافه في حال إحرامه، وقد كان حلالا له قبل حال إحرامه، كما جعل الفدية من صيام أو صدقة أو نسك في حلق الشعر الذي حلقه المحرم في حال إحرامه، وقد كان له حلقه قبل حال إحرامه، ثم منع من حلقه في حال إحرامه نظير الصيد، ثم جعل عليه إن حلقه جزاء من حلقه إياه، فأجمع الجميع على أنه في حلقه إياه إذا حلقه من إيذائه مخير في تكفيره، فعليه ذلك بأي الكفارات الثلاث شاء، فمثله إن شاء الله قاتل الصيد من المحرمين، وأنه مخير في تكفيره قتله الصيد بأي الكفارات الثلاث شاء، لا فرق بين ذلك.

ومن أبى ما قلنا فيه، قيل له: حكم الله تعالى على قاتل الصيد بالمثل من النعم، أو كفارة طعام مساكين، أو عدله صياما، كما حكم على الحالق بفدية من صيام أو صدقة أو نسك، فزعمت أن أحدهما مخير في تكفير ما جعل منه، عوض بأي الثلاث شاء، وأنكرت أن يكون ذلك للآخر، فهل بينك وبين من عكس عليك الأمر في ذلك فجعل الخيار فيه حيث أبيت وأبى حيث جعلته له فرق من أصل أو نظير؟ فلن يقول في أحدهما قولا، إلا ألزم في الآخر مثله. ثم اختلفوا في صفة التقويم إذا أراد التكفير بالإطعام، فقال بعضهم: يقوم الصيد قيمته بالموضع الذي أصابه فيه، وهو قول إبراهيم النخعي، وحماد، وأبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، وقد ذكرت الرواية عن إبراهيم وحماد فيما مضى بما يدل على ذلك، وهو نص قول أبي حنيفة وأصحابه. وقال آخرون: بل يقوم ذلك بسعر الأرض التي يكفر بها. ذكر من قال ذلك: حدثنا هناد، قال: ثنا ابن أبي زائدة، قال: ثنا إسرائيل، عن جابر، عن عامر، قال في محرم أصاب صيدا بخراسان، قال: يكفر بمكة أو بمنى، وقال: يقوم الطعام بسعر الأرض التي يكفر بها. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو يمان، عن إسرائيل، عن جابر، عن الشعبي، في رجل أصاب صيدا بخراسان، قال: يحكم عليه بمكة. والصواب من القول في ذلك عندنا، أن قاتل الصيد إذا جزاه بمثله من النعم، فإنما يجزيه بنظيره في خلق وقدره في جسمه من أقرب الأشياء به شبها من الأنعام، فإن جزاه بالإطعام قومه قيمته بموضعه الذي أصابه فيه، لأنه هنالك وجب عليه التكفير بالإطعام، ثم إن شاء أطعم بالموضع الذي أصابه فيه وإن شاء بمكة وإن شاء بغير ذلك من المواضع حيث شاء لأن الله تعالى إنما شرط بلوغ الكعبة بالهدي في قتل الصيد دون غيره من جزائه، فللجازي بغير الهدى أن يجزيه بالإطعام والصوم حيث شاء من الأرض. وبمثل الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل العلم. ذكر من قال ذلك: حدثنا هناد، قال: ثنا ابن أبي زائدة، قال: ثنا ابن أبي عروبة، عن أبي معشر، عن إبراهيم قال: ما كان من دم فبمكة، وما كان من صدقة أو صوم حيث شاء. وقد خالف ذلك مخالفون، فقالوا: لا يجزىء الهدى والإطعام إلا بمكة، فأما الصوم فإن كفر به يصوم حيث شاء من الأرض. ذكر من قال ذلك: حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن حماد بن سلمة، عن قيس بن سعد، عن عطاء، قال: الدم والطعام بمكة، والصيام حيث شاء.

حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن مالك بن مغول، عن عطاء، قال: كفارة الحج بمكة. حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: قلت: لعطاء: أين يتصدق بالطعام إن بدا له؟ قال: بمكة من أجل أنه بمنزله الهدي، قال: { فجزاء مثل ما قتل من النعم أو هديا بالغ الكعبة } من أجل أنه أصابه في حرم يريد البيت فجزاؤه عند البيت. فأما الهدي، فإنه من جراء ما قتل من الصيد، فلن يجزئه من كفارة ما قتل من ذلك إلا أن يبلغه الكعبة طيبا، وينحره أو يذبحه، ويتصدق به على مساكين الحرم. ويعني بالكعبة في هذا الموضع: الحرم كله، ولمن قدم بهدية الواجب من جزاء الصيد أن ينحره في كل وقت شاء قبل يوم النحر وبعده، ويطعمه وكذلك إن كفر بالطعام فله أن يكفر به متى أحب وحيث أحب، وإن كفر بالصوم فكذلك. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، خلا ما ذكرنا من اختلافهم في التكفير بالإطعام على ما قد بينا فيما مضى. ذكر من قال ذلك: حدثنا هناد، قال: ثنا ابن أبي زائدة، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قلت لعطاء: { أو عدل ذلك صياما } هل لصيامه وقت؟ قال: لا، إذا شاء وحيث شاء، وتعجيله أحب إلي. حدثنا هناد، قال: ثنا ابن أبي زائدة، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قلت لعطاء: رجل أصاب صيدا في الحج أو العمرة، فأرسل بجزائه إلى الحرم في المحرم أو غيره من الشهور، أيجزىء عنه؟ قال: نعم ثم قرأ: { هديا بالغ الكعبة } قال هناد: قال يحيى: وبه نأخذ. حدثنا هناد، قال: ثنا ابن أبي زائدة، قال: أخبرنا ابن جريج وابن أبي سليم، عن عطاء، قال: إذا قدمت مكة بجزاء صيد فانحره، فإن الله تعالى يقول: { هديا بالغ الكعبة } إلا أن يقدم في العشر، فيؤخر إلى يوم النحر. حدثنا هناد، قال: ثنا ابن أبي زائدة، قال: ثنا ابن جريج، عن عطاء، قال: يتصدق الذي يصيب الصيد بمكة، فإن الله تعالى يقول: { هديا بالغ الكعبة }. القول في تأويل قوله تعالى: { أو عدل ذلك صياما }. يعني تعالى ذكره بذلك: أو على قاتل الصيد محرما عدل الصيد المقتول من الصيام، وذلك أن يقوم الصيد حيا غير مقتول من الطعام بالموضع الذي قتله فيه المحرم، ثم يصوم مكان كل مد يوما وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم عدل المد من الطعام بصوم يوم في كفارة المواقع في شهر رمضان. فإن قال قائل: فهلا جعلت مكان كل صاع في جزاء الصيد صوم يوم قياسا على حكم النبي صلى الله عليه وسلم في نظيره، وذلك حكمه على كعب بن عجرة، إذ أمره أن يطعم إن كفر بالإطعام فرقا من طعام وذلك ثلاثة آصع بين ستة مساكين، فإن كفر بالصيام أن يصوم ثلاثة أيام ، فجعل الأيام الثلاثة في الصوم عدلا من إطعام ثلاثة آصع، فإن ذلك بالكفارة في جزاء الصيد أشبه من الكفارة في قتل الصيد بكفارة المواقع امرأته في شهر رمضان؟ قيل: إن القياس إنما هو رد الفروع المختلف فيها إلى نظائرها من الأصول المجمع عليها، ولا خلاف بين الجميع من الحجة، أنه لا يجزىء مكفرا كفر في قتل الصيد بالصوم، أن يعدل صوم يوم بصاع طعام.

فإن كان ذلك كذلك، وكان غير جائز خلافها فيما حدث به من الدين مجمعة عليه صح بذلك أن حكم معادلة الصوم الطعام في قتل الصيد مخالف حكم معادلته إياه في كفارة الحلق، إذا كان غير جائز، وداخل على آخر قياسا وإنما يجوز أن يقاس الفرع على الأصل، وسواء قال قائل: هلا رددت حكم الصوم في كفارة قتل الصيد على حكمه في حلق الأذى فيما يعدل به من الطعام وآخر قال: هلا رددت حكم الصوم في الحلق على حكمه في كفارة قتل الصيد فيما يعدل به من الطعام، فتوجب عليه مكان كل مد، أو مكان كل نصف صاع صوم يوم. وقد بينا فيما مضى قبل أن العدل في كلام العرب بالفتح، وهو قدر الشيء من غير جنسه، وأن العدل هو قدره من جنسه. وقد كان بعض أهل العلم بكلام العرب يقول: العدل مصدر من قول القائل: عدلت بهذا عدلا حسنا. قال: والعدل أيضا بالفتح: المثل، ولكنهم فرقوا بين العدل في هذا وبين عدل المتاع، بأن كسروا العين من عدل المتاع، وفتحوها من قولهم: ولا يقبل منها عدل وقول الله عز وجل: { أو عدل ذلك صياما } كما قالوا: امرأة رزان، وحجر رزين. وقال بعضهم: العدل: هو القسط في الحق، والعدل بالكسر: المثل، وقد بينا ذلك بشواهده فيما مضى. وأما نصب «الصيام» فإنه على التفسير كما يقال عندي ملء زق سمنا، وقدر رطل عسلا. وبنحو الذي قلنا ذلك قال جماعة من أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: أخبرنا ابن جريج ، قال: قلت لعطاء: ما عدل ذلك صياما؟ قال: عدل الطعام من الصيام. قال: لكل مد يوما يؤخذ زعم بصيام رمضان وبالظهار. وزعم أن ذلك رأى يراه ولم يسمعه من أحد، ولم تمض به سنة. قال: ثم عاودته بعد ذلك بحين، قلت: ما عدل ذلك صياما؟ قال: إن أصاب ما عدله شاة، قومت طعاما ثم صام مكان كل مد يوما. قال: ولم أسأله: هذا رأي أو سنة مسنونة؟ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، في قوله عز وجل: { أو عدل ذلك صياما } قال: يصوم ثلاثة أيام، إلى عشرة أيام.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن حماد: { أو عدل ذلك صياما } من الجزاء إذا لم يجد ما يشتري به هديا أو ما يتصدق به مما لا يبلغ ثمن هدي، حكم عليه الصيام مكان كل نصف صاع يوما. حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: { أو عدل ذلك صياما } قال: إذا قتل المحرم شيئا من الصيد حكم عليه فيه، فإن قتل ظبيا أو نحوه فعليه شاة تذبح بمكة، فإن لم يجد فإطعام ستة مساكين، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام. وإن قتل أيلا أو نحوه فعليه بقرة، فإن لم يجد أطعم عشرين مسكينا، فإن لم يجد صام عشرين يوما وإن قتل نعامة أو حمار وحش أو نحوه، فعليه بدنة من الإبل، فإن لم يجد أطعم ثلاثين مسكينا، فإن لم يجد صام ثلاثين يوما، والطعام مد مد يشبعهم. حدثنا ابن البرقي، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، عن سعيد، المحرم يصيب الصيد فيكون عليه الفدية شاة، أو البقرة أو البدنة، فإن لم يجد فما عدل ذلك من الصيام أو الصدقة؟ قال: ثمن ذلك فإن لم يجد ثمنه قوم ثمنه طعاما يتصدق به لكل مسكين مد، ثم يصوم لكل مد يوما. القول في تأويل قوله تعالى: { ليذوق وبال أمره }. يقول جل ثناؤه: أوجبت على قاتل الصيد محرما ما أوجبت من الحق أو الكفارة الذي ذكرت في هذه الآية، كي يذوق وبال أمره وعذابه، يعني «بأمره»: ذنبه وفعله الذي فعله من قتله ما نهاه الله عز وجل عن قتله في حال إحرامه يقول: فألزمته الكفارة التي ألزمته إياها، لأذيقه عقوبة ذنبه بإلزامه الغرامة، والعمل ببدنه مما يتعبه ويشق عليه. وأصل الوبال: الشدة في المكروه. ومنه قول الله:

فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا

Halaman tidak diketahui