Jami' al-Bayan 'an Ta'wil Ayi al-Qur'an
جامع البيان في تفسير القرآن
[5.80]
يقول تعالى ذكره: ترى يا محمد كثيرا من بني إسرائيل يتولون الذين كفروا، يقول: يتولون المشركين من عبدة الأوثان، يعادون أولياء الله ورسله { لبئس ما قدمت لهم أنفسهم } يقول تعالى ذكره: أقسم لبئس الشيء الذي قدمت لهم أنفسهم أمامهم إلى معادهم في الآخرة. { أن سخط الله عليهم } يقول: قدمت لهم أنفسهم سخط الله عليهم بما فعلوا، وأن في قوله: { أن سخط الله عليهم } في موضع رفع ترجمة عن «ما» الذي في قوله: { لبئس ما }. { وفي العذاب هم خالدون } يقول: وفي عذاب الله يوم القيامة هم خالدون، دائم مقامهم ومكثهم فيه.
[5.81]
يقول تعالى ذكره: ولو كان هؤلاء الذين يتولون الذين كفروا من بني إسرائيل { يؤمنون بالله والنبي } يقول: يصدقون بالله ويقرون به ويوحدونه ويصدقون نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم، بأنه لله نبي مبعوث ورسول مرسل. { وما أنزل إليه } يقول: يقرون بما أنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله من آي الفرقان. { ما اتخذوهم أولياء } يقول: ما اتخذوهم أصحابا وأنصارا من دون المؤمنين. { ولكن كثيرا منهم فاسقون } يقول: ولكن كثيرا منهم أهل خروج عن طاعة الله إلى معصيته وأهل استحلال لما حرم الله عليهم من القول والفعل. وكان مجاهد يقول في ذلك بما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: { ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء } قال: المنافقون.
[5.82]
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { لتجدن } يا محمد { أشد الناس عداوة } للذين صدقوك واتبعوك وصدقوا بما جئتهم به من أهل الإسلام، { اليهود والذين أشركوا } يعني عبدة الأوثان الذين اتخذوا الأوثان آلهة يعبدونها من دون الله. { ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا } يقول: ولتجدن أقرب الناس مودة ومحبة. والمودة: المفعلة، من قول الرجل: وددت كذا أوده ودا وودا وودا ومودة: إذا أحببته. { للذين آمنوا } ، يقول: للذين صدقوا الله ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم. { الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون } عن قبول الحق واتباعه والإذعان به. وقيل: إن هذه الآية والتي بعدها نزلت في نفر قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من نصارى الحبشة، فلما سمعوا القرآن أسلموا واتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: إنها نزلت في النجاشي ملك الحبشة وأصحاب له أسلموا معه. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا خصيف، عن سعيد بن جبير، قال: بعث النجاشي وفدا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقرأ عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فأسلموا. قال: فأنزل الله تعالى فيهم: { ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى }... إلى آخر الآية. قال: فرجعوا إلى النجاشي فأخبروه، فأسلم النجاشي، فلم يزل مسلما حتى مات. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إن أخاكم النجاشي قد مات، فصلوا عليه "
فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة والنجاشي بالحبشة. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: { ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى } قال: هم الوفد الذين جاءوا مع جعفر وأصحابه من أرض الحبشة. حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: { ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى } قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة خاف على أصحابه من المشركين، فبعث جعفر بن أبي طالب وابن مسعود وعثمان بن مظعون في رهط من أصحابه إلى النجاشي ملك الحبشة فلما بلغ ذلك المشركين، بعثوا عمرو بن العاص في رهط منهم ذكر أنهم سبقوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي، فقالوا: إنه خرج فينا رجل سفه عقول قريش وأحلامها زعم أنه نبي، وإنه بعث إليك رهطا ليفسدوا عليك قومك، فأحببنا أن نأتيك ونخبرك خبرهم.
قال: إن جاءوني نظرت فيما يقولون. فقدم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقاموا بباب النجاشي، فقالوا: أتأذن لأولياء الله؟ فقال: ائذن لهم، فمرحبا بأولياء الله فلما دخلوا عليه سلموا، فقال له الرهط من المشركين: ألا ترى أيها الملك أنا صدقناك، لم يحيوك بتحيتك التي تحيا بها؟ فقال لهم: ما منعكم أن تحيوني بتحيتي؟ فقالوا: إنا حييناك بتحية أهل الجنة وتحية الملائكة. قال لهم: ما يقول صاحبكم في عيسى وأمه؟ قال: يقول: هو عبد الله وكلمة من الله ألقاها إلى مريم وروح منه، ويقول في مريم: إنها العذراء البتول. قال: فأخذ عودا من الأرض، فقال: ما زاد عيسى وأمه على ما قال صاحبكم قدر هذا العود فكره المشركون قوله، وتغيرت وجوههم. قال لهم: هل تعرفون شيئا مما أنزل عليكم؟ قالوا: نعم. قال: اقرءوا فقرءوا، وهنالك منهم قسيسون ورهبان وسائر النصارى، فعرفت كل ما قرءوا، وانحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق. قال الله تعالى ذكره: { ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول }... الآية. حدثني محمد بن الحسين، قال: ثني أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط عن السدي: { ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى }... الآية. قال: بعث النجاشي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم اثني عشر رجلا من الحبشة، سبعة قسيسين وخمسة رهبانا، ينظرون إليه ويسألونه. فلما لقوه فقرأ عليهم ما أنزل الله بكوا وآمنوا، فأنزل الله عليه فيهم: { وأنهم لا يستكبرون وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين } فآمنوا ثم رجعوا إلى النجاشي. فهاجر النجاشي معهم، فمات في الطريق، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون واستغفروا له. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: قال عطاء في قوله: { ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى }... الآية، هم ناس من الحبشة آمنوا، إذ جاءتهم مهاجرة المؤمنين. وقال آخرون: بل هذه صفة قوم كانوا على شريعة عيسى من أهل الإيمان فلما بعث الله تعالى ذكره نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم آمنوا به. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا } ، فقرأ حتى بلغ:
فاكتبنا مع الشاهدين
Halaman tidak diketahui