Jami' al-Bayan 'an Ta'wil Ayi al-Qur'an
جامع البيان في تفسير القرآن
وعض زمان يا ابن مروان لم يدع
من المال إلا مسحتا أو مجلف
يعني بالمسحت: الذي قد أستأصله هلاكا بأكله إياه وإفساده، ومنه قوله تعالى:
فيسحتكم بعذاب قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى
[طه: 61] وتقول العرب للحالق: اسحت الشعر: أي استأصله. القول في تأويل قوله تعالى: { فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين }. يعني تعالى ذكره بقوله: { فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم }: إن جاء هؤلاء القوم الآخرون الذين لم يأتوك بعد، وهم قوم المرأة البغية، محتكمين إليك، فاحكم بينهم إن شئت بالحق الذي جعله الله حكما له، فيمن فعل فعل المرأة البغية منهم، أو أعرض عنهم، فدع الحكم بينهم إن شئت والخيار إليك في ذلك.
وبمثل الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { أو أعرض عنهم } اليهود، زنى رجل منهم له نسب حقير فرجموه، ثم زنى منهم شريف فحمموه، ثم طافوا به، ثم استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليوافقهم. قال: فأفتاهم فيه بالرجم، فأنكروه، فأمرهم أن يدعوا أحبارهم ورهبانهم، فناشدهم بالله أيجدونه في التوراة، فكتموه إلا رجلا من أصغرهم أعور، فقال: كذبوك يا رسول الله، إنه لفي التوراة حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني الليث، عن ابن شهاب: أن الآية التي في سورة المائدة: { فإن جاءوك فاحكم بينهم } كانت في شأن الرجم . حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: إنهم أتوه يعني اليهود في امرأة منهم زنت يسألونه عن عقوبتها، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" كيف تجدونه مكتوباعندكم في التوراة؟ "
فقالوا نؤمر برجم الزانية. فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرجمت، وقد قال الله تبارك وتعالى: { وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين }. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، قوله: { فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم } قال: كانوا يحدون في الزنا، إلى أن زنى شاب منهم ذو شرف، فقال بعضهم لبعض: لا يدعكم قومه ترجمونه، ولكن اجلدوه ومثلوا به فجلدوه وحملوه على إكاف حمار، وجعلوا وجهه مستقبل ذنب الحمار، إلى أن زنى آخر وضيع ليس له شرف فقالوا: ارجموه ثم قالوا: فكيف لم ترجموا الذي قبله؟ ولكن مثل ما صنعتم به فاصنعوا بهذا. فلما كان النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: سلوه، لعلكم تجدون عنده رخصة فنزلت: { فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم }... إلى قوله: { إن الله يحب المقسطين }. وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية في قتيل قتل في يهود منهم قتله بعضهم. ذكر من قال ذلك: حدثنا هناد بن السري وأبو كريب، قالا: ثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، قال: ثني داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن الآيات في المائدة، قوله: { فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم }... إلى قوله: { المقسطين } إنما نزلت في الدية في بني النضير وبني قريظة، وذلك أن قتلى بني النضير كان لهم شرف تؤدي الدية كاملة، وإن قريظة كانوا يؤدون نصف الدية. فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله ذلك فيهم، فحملهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحق في ذلك، فجعل الدية في ذاك سواء.
والله أعلم أي ذلك كان. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبد الله بن موسى، عن علي بن صالح، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كانت قريظة والنضير، وكان النضير أشرف من قريظة، فكان إذا قتل رجل من قريظة رجلا من النضير قتل به، وإذا قتل رجل من النضير رجلا من قريظة أدى مئة وسق تمر. فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل رجل من النضير رجلا من قريظة، فقالوا: ادفعوه إلينا فقالوا: بيننا وبينكم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فنزلت: { وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط }. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: كان في حكم حيي بن أخطب للنضري ديتان، والقرظي دية، لأنه كان من النضير قال: وأخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بما في التوراة، قال:
وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس بالنفس..
Halaman tidak diketahui