Jami' al-Bayan 'an Ta'wil Ayi al-Qur'an
جامع البيان في تفسير القرآن
وهذا خبر من الله جل وعز عن قيل قوم موسى حين قال له قومه ما قالوا من قولهم:
إنا لن ندخلهآ أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون
[المائده: 24] أنه قال عند ذلك، وغضب من قيلهم لهم داعيا: يا رب { إنى لا أملك إلا نفسي وأخي } يعني بذلك: لا أقدر على أحد أن أحمله على ما أحب وأريد من طاعتك واتباع أمرك ونهيك، إلا على نفسي وعلى أخي. من قول القائل: ما أملك من الأمر شيئا إلا كذا وكذا، بمعنى: لا أقدر على شيء غيره. ويعني بقوله: { فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين } افصل بيننا وبينهم بقضاء منك تقضيه فينا وفيهم فتبعدهم منا، من قول القائل: فرقت بين هذين الشيئين، بمعنى: فصلت بينهما من قول الراجز:
يا رب فافرق بينه وبيني
أشد ما فرقت بين اثنين
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثنا عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: { فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين } يقول: اقض بيني وبينهم. حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: { فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين } يقول: اقض بيننا وبينهم. حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: غضب موسى صلى الله عليه وسلم حين قال له القوم:
اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون
[المائدة: 24]، فدعا عليهم فقال: { رب إنى لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين } وكانت عجلة من موسى عجلها. حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد بن سلمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين } يقول: اقض بيننا وبينهم، وافتح بيننا وبينهم، كل هذا من قول الرجل: اقض بيننا، فقضى الله جل ثناؤه بينه وبينهم أن سماهم فاسقين. وعنى بقوله: { الفاسقين }: الخارجين عن الإيمان بالله وبه، إلى الكفر بالله وبه. وقد دللنا على أن معنى الفسق: الخروج من شيء إلى شيء، فيما مضى، بما أغنى عن إعادته.
[5.26]
اختلف أهل التأويل في الناصب للأربعين، فقال بعضهم: الناصب له قوله: { محرمة } وإنما حرم الله جل وعز على القوم الذين عصوه وخالفوا أمره من قوم موسى وأبوا حرب الجبارين، دخول مدينتهم أربعين سنة، ثم فتحها عليهم، وأسكنوها، وأهلك الجبارين بعد حرب منهم لهم ، بعد أن قضيت الأربعون سنة، وخرجوا من التيه. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: لما قال لهم القوم ما قالوا ودعا موسى عليهم، أوحى الله إلى موسى: { إنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين } وهم يومئذ فيما ذكر ستمائة ألف مقاتل فجعلهم فاسقين بما عصوا، فلبثوا أربعين سنة في فراسخ ستة، أو دون ذلك، يسيرون كل يوم جادين لكي يخرجوا منها، حتى يمسوا وينزلوا، فإذا هم في الدار التي منها ارتحلوا. وإنهم اشتكوا إلى موسى ما فعل بهم، فأنزل عليهم المن والسلوى، وأعطوا من الكسوة ما هي قائمة لهم، ينشأ الناشيء فتكون معه على هيئته. وسأل موسى ربه أن يسقيهم، فأتى بحجر الطور، وهو حجر أبيض، إذا ما نزل القوم ضربه بعصاه فيخرج منه اثنتا عشرة عينا لكل سبط منهم عين، قد علم كل أناس مشربهم. حتى إذا خلت أربعون سنة، وكانت عذابا بما اعتدوا وعصوا، أوحى إلى موسى أن مرهم أن يسيروا إلى الأرض المقدسة، فإن الله قد كفاهم عدوهم، وقل لهم إذا أتوا المسجد أن يأتوا الباب ويسجدوا إذا دخلوا، ويقولوا حطة. وإنما قولهم حطة، أن يحط عنهم خطاياهم. فأبى عامة القوم، وعصوا، وسجدوا على خدهم، وقالوا حنطة، فقال الله جل ثناؤه:
Halaman tidak diketahui