Izhar Casr
Izhar al-ʿAsr li-Asrar Ahl al-ʿAsr
فاستخرنا الله تعالى، واخترنا للجهاد ما هو جرثومة الكفر، وأرومته، بل منبع الفساد، وقرونته وهي البلدة المشهورة والبقعة التي في التواريخ مزبورة، بل صرحت صحاح الأحاديث بتحصنها غاية التحصن، وأشار سيد الكونين صلى الله عليه وسلم، أن أول جيش يغزوها مغفور لهم، وهي القسطنطينية العظمى التي أحاط بجانبيها البحر والبر، وهي العذراء التي عجز عن فتق رقتها الفاجر والبر، عذراء لم تشم رائحة الضرائر، شماء لم تعهد صدمة الدوائر، فسرنا على بركة الله بالنصر والنجح مكفوفين، وبالظفر والفتح المبين موسومين، ونزلنا حواليها صبيحة عيد المؤمنين آخر جمعة من ربيع الأول، الشهر المبارك، شهر مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد اجتمع فيها أنواع الكفرة وأصناف الفجرة، فرق الله شملهم، وأفسد في الدارين شملهم، من كل فج عميق، ومن كل رحى سحيق، حامين لكنائسهم التي لا تعد ولا تحصى، وصوامعهم التي لا تحد ولا تستقصى خصوصا كنيستهم العظمى التي هي معند جباه عظمائهم، ومقبل شفاه كبرائهم، فتشاوروا في أمر الانتقام، وتفاكروا مدة من عدة أيام؛ فأدى فكرهم الفاسد، ورأيهم الكاشد غب مشاورات غزيرة، وإثر مفاكرات كثيرة إلى أن يصيروا صنفين؛ صنف يسد جانب البحر، وصنف يسد جانب البر، وأقمنا حواليها منذ أسابيع وشهر، وحاصرناها بعزة وشوكة وقهر، ثم هجمنا على فتحها مستعينين بالله الملك الجبار، يوم الثلاثاء عشرين جمادى الأولى، وقت الإسفار، برجال فراس، من حماة المملكة رواضين للعدى، يتطايرون إلى اقتطاف الرؤوس، تطاير الندامى إلى اختطاف الكؤوس، ورجال حراس من كماة المعركة خواضين في الردى، يتبادرون إلى انتهاب الأرواح تبادر النضاوى إلى استلاب الأقداح فأقمنا الحرب على ساقها، وبلغنا كل نفس إلى مقرها ومساقها، واشعل الضرام، وتطاير السهام، وتضايق المجال، وتسابق الآجال، والتفت الساق بالساق، وتلاعبت السيوف بالأعناق، ففتح الله الملك القوي القدير، قبل طلوع الذكاء المنير، وعلت رايات الإسلام خافقة على أسوارها، وتمكنت سيوف الموحدين في أعناق كفارها وفجارها.
وما مات من عساكر أرضنا
وما كان مجروحا بأدني الجراحة وقد امتلات الأسواق برؤوس الكفار, وما بقي أحد منهم سالما من الكبار والصغار أكثرهم بسيف القهر والغضب مقتولون, وبقاياهم في السلاسل يسحبون وتجري دماء الكافرين على الثرى
بأجزاء أموات رؤوسا وأبدانا وأخذ منهم سفن وفلك، وسلط عليهم سقم وهلك؛ فصارت نسوانهم أيامى، وصبيانهم يتامى، وديارهم خالية بلاقع، ليس لهم منا واق، ولا دافع.
أي امرئ أسس بنيانه
على التقى دامت مبانيه ومن تعد طوره لم يكن
إلا إلى الحتف تناهيه ومن خالف كتاب الله، وسنة نبيه، واستحل ما حرمه، وحرم صفيه، وسعى في الفتنة والفساد، بين أهل الإسلام، من العباد؛ فهو أحرى بأن يبوء بغضب من الله، ومأواه جهنم وبئس المصير.
ولما كان هذا الفتح المبين، الذي فتحه الله على أيدي المسلمين من آلاء الله العظام التي خصصنا بها من دون آبائنا الكرام، مع أنهم جاهدوا في سبيل الله مدى الدهور والأعوام، وسطرت آثارهم في صفحات الأيام.
حماة سبل الهدى من كل مبتدع
غزاة أهل الهوى والشرك والريب وكان جل بضاعتهم موقوفا وكل عنايتهم مصروفا إلى عبور مسالك الرشاد، وعثور مذاهب السداد، وترتيب أصول الخيرات، وتشييد مباني الحسنات، وتسديد معاني المهمات، وإعلاء كلمة الله، وإغلاء لواء أعداء الله.
Halaman 429