ثم تأتي الضربة الحقيقة لإفناء المصريين، في رواية التوراة عن قيام ملك مصر وجيوشه بمطاردة الفارين بالذهب؛ حيث أدركوهم عند البحر، وهنا تحدث المعجزة الكبرى «ومد موسى يده على البحر، فأجرى الرب بريح شرقية شديدة كل الليل، وجعل البحر يابسة وانشق الماء، فدخل بنو إسرائيل في وسط البحر على اليابسة والماء سور لهم عن يمينهم وعن يسارهم، وتبعهم المصريون ودخلوا وراءهم ... فمد موسى يده على البحر، فرجع البحر عند إقبال الصبح إلى حاله الدائمة ... فدفع الرب المصريين وسط البحر» (خروج، 14). ويتوجه الخارجون من مصر إلى فلسطين ليغزوها ويحتلوها ويقيموا لهم هناك دولة، تلك الدولة التي قيض لأحد ملوكها «سليمان» أن يحوز في مقدسات المنطقة شهرة لا تضارع، ومع ذلك فقد قال «ه. ج. ويلز» ونقل عنه الباحثون العرب مثل د. أحمد سوسة ود. أحمد شلبي قوله: «أما الوصف الذي اعتاد الباحثون ترديده عن اتساع وامتداد حدود مملكة سليمان، فيعده أكثر الباحثين من قبيل المبالغات التي درجت عليها دويلات تلك العصور، والحقيقة «أن مملكة سليمان التي تبجحت التوراة بعظمتها كانت أشبه بمحمية مصرية» مرابطة على حدود مصر، قائمة على حراب أسيادها الفراعنة ... وكان سليمان يريد أن يجاري الفراعنة في البذخ والظهور بما هو فوق طاقاته وإمكانياته الاقتصادية ... فأثقل كاهل الشعب بكثرة الضرائب ... ولما عسر على سليمان أن يحتل أرض فلسطين الساحلية طلب معونة فرعون مصر، فأرسل جيشا مصريا صغيرا احتلها وسلمها له مهرا لابنته.» ثم يتساءل: «كيف صور كتبة التوراة مملكة سليمان في صورة تفوق الواقع بكثير؟ فسليمان لم يكن وهو في أوج مجده إلا ملكا صغيرا يحكم مدينة صغيرة، وكانت دولته من الهزال وسرعة الزوال بحيث لم تنقض بضعة أعوام على وفاته، حتى استولى شيشنق أول فراعنة الأسرة الثانية والعشرين على أورشليم.» ثم يتابع قوله: «إن أمور مصر في عهده كانت مرتبكة فخفت هيمنتها على فلسطين وبلاد الشام، وكانت أمور الدولة الآشورية مرتبكة كذلك، وقد منح هذا لسليمان شيئا من الحركة والنشاط والتبسط في ممارسة السيادة. أما ما جاء عن قصة ملك سليمان وحكمته التي أوردها الكتاب المقدس، فقد تعرضت لحشو وإضافات على نطاق واسع، على يد كاتب متأخر شغوف بالمبالغة في وصف رخاء عصر سليمان، مولعا بتمجيد حكمه ... «وقد استطاعت هذه الرواية أن تحمل العالم المسيحي بل والإسلامي على الاعتقاد بأن الملك سليمان كان من أشد الملوك عظمة وأبهة، لكن الحق أنه إذا قيست منشآت سليمان بمنشآت تحتمس الثالث أو رمسيس الثاني أو نبوخذ نصر، فإن منشآت سليمان تبدو من التوافه الهينات»، أما مملكته فهي رهينة تتجاذبها مصر وفينيقيا، وترجع أهميتها في معظم أمرها إلى ضعف مصر المؤقت.» (2-3) ماذا يقول التاريخ؟
وهكذا يتضح أن الباحثين عندما يريدون الحديث عن أحداث التوراة حديث المؤرخين، يضطرون إلى المقارنات والاستنتاجات، بالنظر إلى أن تاريخ مصر، على كثرة ما اكتشف منه، لا يشير إلا لماما في لمحات سريعة إلى القبائل البدوية، بينما تتحدث التوراة بالتفاصيل عن مصر وملوكها ومدنها وطبائع أهلها، مما يشير إلى معرفة واضحة من جانب الإسرائيليين بشئون مصر والمصريين، وهو أمر طبيعي تماما حيث إن وضع إسرائيل كقبائل هامشية ما كان يشغل حيزا هاما في المدونات المصرية، بينما كان المدون الإسرائيلي لا يستطيع إغفال مصر.
المهم أن أول ذكر لإسرائيل في مدونات مصر جاء في قصيدة منقوشة على لوح تذكاري من الجرانيت الأسود، أقيم في معبد الملك «مرنبتاح» الجنائزي، والقصيدة تتغنى ببطولات الملك وانتصاراته، حيث تقول: «الأمراء منبطحون أرضا يصرخون طالبين الرحمة، ليس بين الأقواس التسعة من يرفع رأسه، لقد دمرت أرض التحنو (ليبيا)، وخاتي (تركيا) هادئة، وكنعان قد استلبت بقسوة، وعسقلون تم الاستيلاء عليها، وجازر قد أخذت وينو عام أصبحت كأن لم تكن، وإسرائيل أقفرت وليس لها بذر، وخوري (أرض فلسطين) عدت أرملة لمصر.»
وقد وقف علماء كثر مع هذا النص واعتبروه دالا على حدث الخروج من مصر، حيث ترد كلمة إسرائيل في نصوص مصر لأول مرة، واعتبروا الفرعون «مرنبتاح» هو فرعون موسى والخروج، بينما ذهب آخرون إلى أن النص يتحدث عن حرب شنها مرنبتاح على عدد من الشعوب خارج مصر، وأنه هاجم أراضيهم وضمنها إسرائيل.
هذا كل ما ورد من التاريخ التوراتي المهول في تاريخ مصر «إسرائيل أقفرت وليس لها بذر» ويبدو أن الأمر لم يكن يستأهل الفخار به والإطالة بشأنه قياسا على أعمال الفرعون الأخرى، فاكتفى بتلك الإشارة السريعة، التي قامت عليها ألوف الأبحاث في جامعات العالم، مقارنة بالتوراة، ولم تزل.
أما قول «ويلز» السالف، إن إسرائيل كانت مجرد دويلة رهينة لمصر، وإنها كانت تابعا متقدما في آسيا للفراعنة، فهو استنتاج يطابق أحداث التاريخ، وما ورد في تاريخ مصر القديمة من وثائق، عن الحملات التأديبية التي كان يقوم بها الفراعنة على بدو آسيا، في حال أي تمرد أو عصيان مع تركهم على أحوالهم ويحكمون فقط بوال من قبل الفرعون غالبا ما يكون منهم، مع بعض كتائب مصرية لمنع أي شغب.
ومن المعلوم أن مصر ظلت ترعى فلسطين وتزودها بالميرة أيام القحط والجفاف، كما ظلت ملجأ آمنا لأهلها عند أي خطب أو غزو خارجي، وهو بالضبط ما حدث زمن هجوم الملك الكلداني نبوخذ نصر على يهوذا، حيث لجأ أهلها بالألوف المؤلفة إلى مصر، التي استقبلتهم بالترحاب زمن الفرعون «واح إف رع» المسمى باليونانية «أفريس 587-568ق.م» أحد ملوك الأسرة السادسة والعشرين، وهو ما حكته التوراة في الإصحاح 25 من سفر ملوك ثاني، وتأكد بوجود جالية يهودية تعيش بعد ذلك في جزر الفنتين جنوبي أسوان بمصر.
وتحكي لنا التوراة عن معركة بين مصر وآشور وقعت في بلاد الشام، مما يشير إلى خروج الجيوش المصرية للدفاع عن بلاد الشام ضد غزو آشوري، وتقول التوراة إن ملك إسرائيل «يوشيا» اعترض طريق الفرعون «نخاو» ليمنعه عن نجدة سوريا فاضطر الفرعون إلى قتل الملك الإسرائيلي. كما اضطر بعد ذلك لأسر ابنه «يهو آحاز» الذي تخابر مع الآشوريين، وتم ترحيل الملك الإسرائيلي «يهو آحاز»، إلى مصر وهي رواية سفر الملوك الثاني بالإصحاح الثالث والعشرين، ولا نجد في مدونات التاريخ المصري نظيرا للرواية، لكنا نجد ما يصادق عليها؛ حيث تم العثور على لوح عليه نقش ورسم وكتابة عن شخص باسم «يوده ملك» وترجمتها «ملك يهوذا»، وتعود إلى زمن الفرعون «نخاو»، وهو ما جعل المؤرخين يتأكدون أنه بعينه الملك الإسرائيلي الأسير «يهو آحاز».
وبينما كانت التوراة تصف مصر بأنها «جنة الرب أرض مصر» حيث الراحة والهدوء والرخاء والدعة، نجد أيوب النبي يحلم بأيام مصر، «قد كنت مضطجعا الآن ساكنا، كنت نمت مستريحا، مع ملوك «ومشيري الأرض، الذين بنوا أهراما لأنفسهم»» (أيوب، 3)، وفى سفر الخروج نجد الإسرائيليين يعانون الجوع بسيناء فيحتجون على موسى معبرين عن ندمهم لترك أسر مصر قائلين: «ليتنا «كنا بمصر جالسين إلى جوار قدور اللحم».» وهي كلها الأمور التي تفسر ما استقر في نفوس الإسرائيليين تجاه المصريين، متمثلا في نبوءات ترد لمصر الجميل. (2-4) نبوءات التوراة لمصر
في الأزمنة الأخيرة لإسرائيل، زمن أنبياء إرميا وإشعيا، وقبل زمن تدمير الهيكل على يد طيطس الروماني وتشتيتهم في بقاع العالم، وقف أنبياء إسرائيل على عتبات النهاية، يتنبئون بعودة المجد السليماني وقيام دولة إسرائيل مرة أخرى، وأنها حينذاك ستسود العالم، لكن قيامها كان يشترط أولا وأخيرا خرابا تاما لمصر، وإذلالا لها، وهو ما يفصح عن التكوين النفسي والعقلي ومدى التشوه الذي لحق بنفوس القوم تجاه مصر.
Halaman tidak diketahui