علم الأخلاق الإسلامية

علم الأخلاق الإسلامية

Penerbit

دار عالم الكتب للطباعة والنشر

Edisi

الأولى ١٤١٣هـ-١٩٩٢م الطبعة الثانية ١٤٢٤هـ

Tahun Penerbitan

٢٠٠٣م

Lokasi Penerbit

الرياض

Wilayah-wilayah
Turki
مِقْداد يالجن (١٣٥٦هـ - ٠٠٠ = ١٩٣٧م - ٠٠٠) (*)
مقداد يالجن محمد علي. أستاذ جامعي، تركي، التحق بمدرسة تحفيظ القرآن في إنطاكية (تركيا) لتعلم اللغة العربية وفهم القرآن، ثم درس في مدارس سوريا المتوسطة، والتحق بعد ذلك بالثانوية الأزهرية ثم بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر. وقد حصل بعد ذلك على الليسانس في اللغة العربية والعلوم الإسلامية من كلية دار العلوم جامعة القاهرة عام ١٩٦٧م، وعلى الماجستير في عام ١٩٧١م، كما حصل على دبلوم في التربية.
وفي عام ١٩٧٦م، حصل على درجة الدكتوراه. عمل بالتدريس في كلية الإلهيات بجامعة أنقرة، ثم عضوًا بهيئة التدريس في قسم التربية بكلية العلوم الاجتماعية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. من أشهر مؤلفاته التي نُشرت، اثنا عشر كتابًا في مجال التربية الإسلامية والمجالات القريبة، منها: جوانب التربية الإسلامية؛ أهداف التربية الإسلامية
علاوة على أكثر من عشرين بحثًا ومقالًا في مجالات مختلفة
حاز جائزة الملك فيصل العالمية للدراسات الإسلامية عام ١٤٠٨هـ، ١٩٨٨م.

(*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: هذا التعريف بالمؤلف ليس من المطبوع
الفكر التربوي عند مقداد يالجن (*)
الباحث: أ / رشاد قائد مهدي أحمد
الدرجة العلمية: ماجستير
الجامعة: جامعة صنعاء
بلد الدراسة: اليمن
لغة الدراسة: العربية
تاريخ الإقرار: ٢٠٠٩
نوع الدراسة: رسالة جامعية
الملخص:
في ختام هذه الدراسة يود الباحث أن يقدم خلاصة تشمل النتائج والتوصيات، وذلك على النحو التالي:
- أولًا: النتائج
١. إنّ الفكر التربوي الإسلامي المعاصر بحاجة إلى دارسات علمية تسهل نقل ما يمكن نقله من المستوى النظري إلى مستوى التطبيق؛ لكي تستعيد الأمة الإسلامية خصوصيتها الثقافية وجزءًا من هويتها المفقودة.
٢. إنّ أبرز ما أثر في توجيه فكر مقداد يالجن التربوي هو: تدين أسرته، والمتغيرات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية.
٣. إنّ فكر مقداد يالجن تميّز بالآتي:
أ. المرونة الفكرية في تعامله مع التراث الإسلامي والإنساني.
ب. الأصالة؛ حيث يستند في جملة فكره إلى نصوص الكتاب، والسنة.
ج. الإنصاف، ويظهر ذلك من خلال تعامله مع الفلسفة، ومع الطرق الصوفية، ومن تعامله كذلك مع الفكر الغربي (التربوي، والإنساني بصورة عامة) .
د. الإبداع والتنوع ويظهر ذلك من خلال استخدامه للقواعد الأصولية في مجال التربية، وتناوله لموضوعات تربوية متنوعة، حيث أنتج كتبًا تخدم الإداريين والمشرفين التربويين والمعلمين والطلبة.
٤. يتسم فكره في المقابل بجوانب قد تكون جوانب قصور تعتري الجهد البشري عادةً مثل: التكرار الذي ربما خرج عن دائرة التسويغ المنهجي، وما يتبع ذلك التكرار من ثبات في بعض الجوانب المحتاجة إلى تطوير، إذ إنّ التطوير المستمر يُعدّ من سمات الفكر الحي المتفاعل الذي يستكشف آفاقًا جديدة تتبدى معها جوانب الخلل في الرؤى والأفكار السابقة، ويظهر هذا الثبات جليًا من خلال تتبع ما كتبه يالجن عن التربية الأخلاقية، إذ لم تحدث تغيرات تذكر في ما كتبه عنها أثناء دراسته وقد يكون من غير المعقول -خاصة في مجال التربية-أن يكون قد استوفى كل ما يتعلق بالتربية الأخلاقية في كتابه "التربية الأخلاقية الإسلامية". وكما سبقت الإشارة في البحث إلى أنّ مضمون الكتاب يتكرر في قدر غير يسير من كتبه، وربما كان الثبات مقبولًا -من وجهة نظر الباحث-من كاتبٍ توقف عن الكتابة، إمّا بسبب الموت أو لأي أسباب أخرى، أمّا من لايزال يؤلف وينتج-ومقداد يالجن واحد من هؤلاء أمدّ الله في عمره-فإنّ الأفكار الجديدة والتطوير تصبح في هذه الحالة من مستلزمات الكتابة. كما لاحظ الباحث وجود إسهاب ربما مبالغ فيه عند تناول بعض القضايا، فهو عند الحديث عن أساليب التربية الإنسانية مثلًا يذكر سبعة وأربعين أسلوبًا يمكن -عند التدقيق والتمحيص- ألا تصل إلى هذا العدد. ومع وجود مثل هذه الملاحظات إلا أنَّ ذلك لا يقلل من الجهد الذي خدم به مقداد يالجن الفكر التربوي الإسلامي المعاصر والآفاق البحثية التي تفتحها مؤلفاته وأبحاثه.
٥. يمكن تجديد الفلسفة وفلسفة التربية -من ثمّ-من خلال المنهج الذي وضعه مقداد يالجن ويتلخص في:
أ-دراسة المبادئ الإسلامية من جديد من خلال النصوص الإسلامية (القرآن والسنة الصحيحة) بعيدًا عن الأفكار المذهبية، والحزبية.
ب-عدم محاولة فهم المبادئ الإسلامية بالآراء الفلسفية.
ج-محاولة فهم المبادئ الإسلامية الخاصة بموضوع معين في ضوء النظام الإسلامي كله من خلال ما توحي به النصوص في مجموعها، وألا يقتصر على جانب واحد منهاٍ.
٦. الحاجة إلى مراجعة القول بأنّ العوامل التي تشكّل السلوك الإنساني تنحصر في العوامل الفطرية، والوراثة، والبيئة، دون التأكيد على أن دور الوراثة قد يكون مساعدًا وليس أساسيًا. كما أنّ حصر أسباب السلوك الإنساني في تلك الأسباب الثلاثة فقط يمكن أن يبرر تهرب الفرد من تحمل المسئولية المترتبة على أفعاله؛ لأنّ سلوكه إنّما هو نتاجٌ لعوامل لم يكن له تدّخل في إيجادها، أو اختيارها.
٧. إنّ ثمّة آراء لمقداد يالجن ربما تحتاج إلى إعادة النظر ومنها:
أ-استدلاله على أن اللبن يورث الصفات الخُلُقية بالحديث الذي أورده الهيثمي في مجمع الزوائد، مع أن صاحب الكتاب يضعّف الحديث.
ب-وصف بعض الدوافع الفطرية بأنّها ملائكية، أو شيطانية؛ لأنّ ذلك يتعارض مع القول بحيادية الطبيعة الإنسانية الذي يتبناه.
ج-استخدامه لعبارة "وجهة نظر الإسلام" أو "رأي الإسلام"، في الوقت الذي يتحدث فيه يالجن عن وجهة نظره في فهم الإسلام، وهذه العبارات قد توحي أيضًا بأنّ الرأي المخالف لا يمثل وجهة نظر إسلامية، مع أنَّه ينطلق من المرجعية الإسلامية.
د-تقسيم جوانب التربية الإسلامية إلى جوانب أساسية، وأخرى غير أساسية كما يفهم من كلامه؛ لأنّ ما عده من الجوانب غير الأساسية قد يؤدي نقص الاهتمام بها إلى خللٍ في بناء الشخصية الإسلامية مثل التربية الجهادية، والاقتصادية، والإدارية.
٨. إنّ مقداد يالجن من دعاة أسلمة المعرفة-ومنها المعرفة التربوية-وظهور خلاف في تحديد أيٍّ من المصطلحات هو الأنسب "أسلمة المعرفة" أم "التأصيل الإسلامي للعلوم"، وغيرها من المصطلحات خلاف لفظي لا يؤثر على مضمون الدعوة إلى إعادة بناء المعرفة وفقًا للقيم الإسلامية.
٩. تتلخص خطوات منهج التأصيل الإسلامي للعلوم الإنسانية ومنها التربية بالخطوات التالية:
أ-أن يكون الباحث متخصصًا في مجال المعرفة التي يؤصلها.
ب-التمكن من المنهج الاستنباطي، إضافةً إلى مناهج البحث الأخرى التي تخدم الباحث.
ج-الاستدلال بمصادر التشريع الإسلامي الرئيسة (القرآن والسنة الصحيحة)، مبتدئًا بالاستدلال بالقرآن الكريم، ثمّ السنة الصحيحة، مع مراعاة الجمع في الاستدلال بين القرآن والسنة الصحيحة.
د-الرجوع إلى مصادر التشريع الإسلامي الأخرى وهي: الإجماع، والقياس، والاستحسان، والعرف، وسد الذرائع، وشرع من قبلنا ما لم يرد النسخ، والاستصحاب، والمصالح المرسلة، مع معرفة ضوابط استخدامها.
هـ-الرجوع إلى التراث الإسلامي، والاستفادة من أراء العلماء المسلمين وإسهاماتهم، ومن ذلك التراث: قواعد أصول الفقه.
١٠. إنّ مذهب مقداد يالجن في تحديد أهداف التربية الإسلامية يتسم بالشمول، وتتحدد تلك الأهداف بالتالي:
أ-بناء الفرد المسلم المتكامل جوانب الشخصية.
ب-بناء خير أمة أخرجت للناس.
ج-بناء خير حضارة إنسانية.
١١. إنّ من جوانب الانعكاسات التطبيقية لفكر مقداد يالجن التربوي الآتي:
أ- استخدام المنهجية الإسلامية في دراسة العلوم التربوية.
ب-إقرار التربية الأخلاقية بمفهومها الشامل الذي لا ينحصر في إلزام الطلاب بمقرر دراسي يُلقن ليحفظ، ثمّ ينسى بمجرد خروج الطالب من قاعة الامتحان.
ج-إقرار التربية الإبداعية.
د-تبني الجامعات لعملية التأصيل والتوجيه الإسلامي للعلوم، والمعارف، والفنون، من خلال إنشاء "مركز بحوث التأصيل والتوجيه الإسلامي للعلوم" ويكون هذا المركز في إطار رابطة الجامعات الإسلامية، وتخصيص ميزانية كافية، وتوفير الإمكانات اللازمة؛ كي تتمكن من القيام بدورها في وضع منهج إسلامي في التفكير، والنقد، والتقويم، والقبول، والرد، ومن أجل بناء عقليات حرة ومبدعة تسهم في الرقي بأمتها.
١٢. للتلفيق صور يفترض أن يجتنبها الباحث في الدراسات التربوية وتتلخص هذه الصور في الآتي:
الصورة الأولى: تطويع النصوص للاتجاهات.
الصورة الثانية: التعسف في تطويع المعلومات وإخضاعها للإسلام.
الصورة الثالثة: محاولة التوفيق بين المعلومات والإسلام بأي طريق ممكن مهما حصل من التعسف والتخبط.
الصورة الرابعة: إضافة بعض النصوص الإسلامية في البحوث دون الاستناد إليها حقيقةً في بناء وجهة النظر التي توصف بعدذلك بأنّها إسلامية.
- ثانيًا: التوصيات
إستنادًا إلى نتائج الدراسة فإنّ الباحث يوصي المؤسسات التربوية والأكاديمية بما يلي:
١. الاستفادة من منهج التأصيل الذي وضعه مقداد يالجن في الدراسات التربوية، وإدخال المنهج الأصولي ضمن المناهج المتبعة في الدراسات الإنسانية عند تدريس مناهج البحث.
٢. دراسة إمكانية تضمين التربية الأخلاقية بمفهومها الشامل لتصبح جزءًا أساسيًا في المنهج، ويقترح الباحث أن يسبق ذلك عدة خطوات وهي:
أولًا: إعادة النظر في معايير القبول في مهنة التعليم، بحيث لا يلتحق بها إلا من تمثل المعايير أو انطبقت في جملتها عليه.
ثانيًا: تحديد جوانب أخلاقية سلوكية (مثل الصدق والأمانة ... إلخ) لكل صف دراسي ابتداءً من الروضة حتى المرحلة الجامعية، لوضع مفردات وأنشطة تخدم موضوعاتها المقررات الدراسية كافة.
ثالثًا: تحديد الوسائل والطرق الممكنة لنجاح التربية الأخلاقية في كل مرحلة دراسية، مع مراعاة إشراك الأسرة والمؤسسات المجتمعية الأخرى مثل المسجد والإعلام في ذلك بأقدار متفاوته.
رابعًا: تحديد آليات للتواصل الفعال بين المدرسة والأسرة -بوجه خاص-.
خامسًا: دراسة آليات التقييم والمتابعة وتحديدها. وما سبق يمكن أن يكون خطوات عامة وكل خطوة تحتاج إلى خطوات ربما يأخذ تنفيذها زمنًا طويلًا. ويكفي هنا لفت الانتباه إلى مثل هذه التربية؛ لعل ذلك يسهم في تكوين إرادة عند أصحاب القرار للالتفات إلى هذه القضية الجوهرية في العملية التعليمية والتربوية.
٣. إدخال التربية الإبداعية في المنهاج الدراسي على نحو إبداعي.
٤. إنشاء "مركز بحوث التأصيل والتوجيه الإسلامي للعلوم" يقوم المتخصصون من خلاله بوضع منهج إسلامي في التفكير، والنقد، والتقويم، والقبول، والرد.
٥. إنشاء مركز لتأهيل الشباب لمهنة الأبوة والأمومة، ويكون هذا المركز بإشراف الجامعة، ويتولى إدارته نخبة من الأكاديمين التربويين، ويقدم هذا المركز عدد من الخدمات التأهيلية مثل: دورات تربوية لطلبة الجامعة. كما يقيم عددًا من الأنشطة والفعاليات التثقيفية، ومنها -على سبيل المثال-برامج تلفزيونية تقدم معلومات عن كيفية رعاية الأبناء.
- ثالثًا: المقترحات:
١. استمرار الدراسة في الفكر التربوي لأعلامه المعاصرين.
٢. تصميم وإطلاق موقع إلكتروني تفاعلي خاص بأعلام التربية المعاصرين، بحيث يمثل الموقع مرجعًا للباحثين، وملتقى تناقش فيه القضايا التربوية، ويفضل أن يحتوي الموقع على مكتبة تحتوي أحدث الإصدارات التربوية.

(*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: هذا ملخص لدراسة عن مقداد يالجن وليس في المطبوع

Halaman tidak diketahui

مقدمة
مقدمة عامة للموسوعة
مدخل
...
مقدمة عامة للموسوعة
في هذه المقدمة سنتكلم عن دوافع إنجاز هذه الموسوعة كما سنتكلم عن أهمية الأخلاق وأهمية التربية الأخلاقية للأفراد والجماعات والشعوب على حد سواء.
ولإدراكي لهذه الأهمية فقد كرست جزءًا كبيرًا من حياتي لها، حيث استغرقت الدراسات الأخلاقية ثماني سنوات متواصلة من عمري، وكنت متفرغًا فيها لهذه الدراسة، ولم أكن قد تزوجت، ولم تكن لي في الوقت نفسه وظيفة، ولهذا كان جل وقتي منصبًّا على هذه الدراسة، وكان الدافع الأساسي إلى هذه الدراسة هو رؤيتي المشكلات الاجتماعية وتحليلي لأسبابها وبخاصة مشكلة ازدياد الجرائم الظاهرة والباطنة في الحياة الاجتماعية العامة وفي الإدارات أو الدوائر الحكومية، وبالذات في مجال التربية والتعليم، وبخاصة تلك الجرائم والانحرافات الخطيرة التي تفتك بكيان الدولة والمجتمع من الناحية الاقتصادية والوظيفية والاجتماعية، ذلك أنها تثير العداوة والبغضاء والصراعات الاجتماعية بسبب انتشار الاختلاسات الظاهرة والباطنة من أموال الدولة من قبل بعض الموظفين، وبسبب انتشار الظلم والمحاباة والرشوة والغش والتزوير وما أشبه ذلك، وهي كلها ترجع أساسًا إلى النقص الخلقي.
وعندما نظرت إلى المنحرفين والمفسدين الذين يفسدون ويرتكبون جرائم تتسع آثارها وتمتد على نطاق واسع وجدتهم من المتعلمين الذين تخرجوا في المدارس والمعاهد والجامعات، فقلت: ألم يتعلم هؤلاء الأخلاق في المدارس؟، ونظرت إلى المناهج التعليمية، فوجدتها تفتقد هذه الدراسات الأخلاقية بصفة عامة، ووجدت أيضا في بعض البلاد

1 / 1

الأخلاقيات تدرس باعتبارها عادات وتقاليد وأعرافًا سائدة في المجتمع، وهي تتغير بحسب الزمان والمكان، وهي تقوم على دراسات نقدية توجه أحيانًا ضد الأخلاق والقيم بأنها تقاليد وأعراف اجتماعية لا تحمل في ذاتها قيمة ثابتة كما تحمل القوانين العلمية التي تنطوي على قيمتها في ذاتها، وبخاصة فإنها تقرر أحيانًا في بعض الجامعات والمدارس بطريقة غير موجهة، وعلى هذا الأساس تدرس من زوايا وآراء فلسفية مختلفة ومتناقضة بين آراء الغربيين والشرقيين مما يجعل الطلاب في حيرة، ويقولون: أين الحق؟ أليست هناك حقائق أخلاقية ثابتة؟ هل هي مجرد آراء متضاربة ومتناقضة؟ إن مثل هذه الدراسات الأخلاقية تهون من شأن القيم الأخلاقية إذ إنها بدلًا من أن تدفع الناس إلى التمسك بها تقتل روح هذا التمسك في نفوس المتعلمين، وغيابها قد يكون أفضل من وجودها.
وزاد اقتناعي بأهمية تعليم الأخلاق وبأهمية التربية الأخلاقية نتيجة بعض الوقائع حيث علمت من خلالها أن مجرد الاهتمام بالعلوم والتقدم فيها لا يصلح شيئًا من النفوس، ولا يساعد على انتشار الأخلاق وقيمتها في حياة الأفراد والجماعات.
فمن تلك الوقائع مثلًا: كنت سألت عن حال مدينة كنت زرتها منذ عشرة سنوات من حيث الصلاح والفساد، فقال الذي يتردد عليها: لقد انتشر الفساد فيها انتشارًا فظيعًا، فلما استفسرت عن السبب، قال السبب هو إنشاء الجامعة فيها، فقلت: هل الجامعة تكون سببًا للفساد؟ إن هذا لَتفسير عجيب، فالجامعة مفروض أن تكون منار إصلاح وإشعاع نور وهداية وتهذيب الأخلاقيات

1 / 2

فقال: الأمر ليس كذلك، ولما استفسرت عن بقية الموضوع قيل لي إنها جامعة علمية لا تبالي بالأخلاق ولا بالقيم والآداب بل تفسد أخلاقيات الشباب؛ لأنها تسمح بالاختلاط بين الجنسين بدون حدود في الشواطئ ومرافق الجامعة ومساكنها، والاختلاء في الغرف المخصصة من أجل المذاكرة، ولقرب غرف نوم الطلاب والطالبات في المبنى الواحد لا مانع من الاختلاء بحكم الزمالة والمذاكرة.
ومن تلك الوقائع أيضًا ما حصل أثناء زيارتي لإحدى المدن الشهيرة، وأثناء زيارتي ونحن نطوف بأرجائها كنا نمر من جوار سور كبير، فسألت الذي يطوف بي عن السور وعما بداخله فقال: إن أكبر المجرمين من اللصوص والقتلة والخونة في المجتمع يتربون في داخل هذا السور، فقلت: عجبًا كيف يكون هذا؟ ألا تعلم الدولة ذلك؟ قال: بلى، إن الدولة هي التي تربيهم كذلك، فزادت دهشتي، فقلت: يا رجل اشرح كلامك كيف يكون هذا؟ فقال: إن بداخله جامعة كذا، فقلت: وهل الجامعة تربي اللصوص والمجرمين؟ قال: نعم، وقال: ألا ترى الذين يسرقون من الأموال العامة، والذين يأخذون الرشاوى، والذين يزورون الوثائق في الدوائر هم من خريجي الجامعة؟ ثم بدأ يعرض بعض التفصيلات، من ذلك كيف أن أحد المحامين سبب إفلاسه بسبب حادثة مرورية، أعطاه مبلغًا من المال ليدافع عنه، فأخذ مالًا من خصمه، فحول القضية إلى قضية استمرت شهورًا حتى أفلس.
ومثال آخر مرضت زوجته وأخذها إلى طبيب، فطلب منه مبلغًا كبيرًا ليعمل لها عملية؛ لأن حالتها خطيرة تستدعي عملية عاجلة، فدفع المبلغ ثم أجرى العملية وتوفيت الزوجة على أثرها. وبعد ذلك تبين أن الحالة كانت بسيطة وما كانت تستدعي العملية، وإنما أجراها من أجل المال، قال محدثي: هذا مثل من أعمال هؤلاء الذين تخرجوا في هذه الجامعة قتلوا امرأتي وسرقوا أموالي باسم

1 / 3

العملية وباسم المحاماة.
وإني بدروي أذكر ما يشبه هذه الوقائع، كما يمكنني ذكر عشرات الأمثلة مما شاهدت وقرأت وعلمت عن طريق محادثة بعض رجال الدولة تحدثوا عن مثل تلك الجرائم الواقعة من موظفي الدولة أيضًا.
وبعد أن اقتنعت بأهمية الأخلاق في حياة الفرد والمجتمع والدولة، اقتنعت بالأهمية نفسها بأن كل إصلاح فردي واجتماعي يجب أن يبدأ من تعليم الأخلاق بطريقة خاصة حسب اتجاه وتوجيهات وأهداف تبدأ من منطلقات ومسلمات تدفع إلى التمسك بالأخلاق وتساعد على الالتزام بها لدى المتعلمين.
ولهذا اتجهت لدراسة الأخلاق من منطلق الاتجاه الإسلامي؛ لأن الدراسات الأخلاقية إن لم تكن موجهة ولم تقم على عقيدة وإيمان ثابت بقيمتها تفقد قيمتها التربوية.
ولهذا فإن كثيرًا من الدراسات الأخلاقية عندما بدأت من منطلق اجتماعي بأنها ظاهرة اجتماعية والمجتمع من حقه أن يغير أخلاقياته؛ لأنه سيد الأوضاع ولا ضير في تغيير الأخلاقيات، ثم لم تقم على عقيدة أو أساس ديني نتيجة؛ لذلك فقدت تلك الدراسات قيمتها ولم تؤثر في نفوس الأجيال، وبخاصة إذا اختلطت مفاهيمها بمفاهيم العادات والتقاليد التي لا يخسر المجتمع بتغيرها أو تعديلها، أما الأخلاق في نظر الإسلام فهي سيد المجتمع، فالمجتمع يجب أن يخضع لها بدلًا من أن تخضع الأخلاق للمجتمع.
ولهذا كله فإن التعليم الأخلاقي والتربية الأخلاقية يجب أن يأخذا أهميتهما بقدر أهمية العلوم في المدارس والجامعات على أقل تقدير.

1 / 4

أهداف تعليم الأخلاق
مدخل
...
أهداف تعليم الأخلاق:
إن التعليم حسب أهداف محددة يجب تحقيقها من خلال أساليب التدريس وبوسائلها الخاصة التي تؤدي إلى تحقيقها، فالأهداف بمثابة معايير من خلالها نعرف تحققها أو عدم تحققها ونستطيع تقويم أساليب تعليمها.
وأهم أهداف تعليم الأخلاق في الاتجاه الإسلامي هي ما يلي:
١- بيان حقائق القيم الأخلاقية الإسلامية ومبادئها وميادينها.
٢- التبصير بشمولية روح الأخلاق الإسلامية على كل تصرفات وسلوكيات الناس الفردية والاجتماعية.
٣- إبراز أهمية وأثر القيم الأخلاقية الإسلامية من الناحية العلمية والاجتماعية والإنسانية والحضارية المادية والمعنوية.
٤- إظهار خصائص ومميزات القيم الإسلامية بالنسبة إلى الأخلاقيات البشرية الوضعية.
٥- وضع المعايير الخلقية الإسلامية أمام المتعلمين؛ ليستطيعوا توجيه سلوكهم وتقويم السلوكيات في ضوئها.
٦- تكوين القناعة بثبات القيم الأخلاقية الإسلامية، وأنها ليست خاضعة للتغيرات الاجتماعية، بل إن التغيير والتكوين الاجتماعي يجب أن يخضع لهذه القيم.
٧- تكوين الإيمان بالعلاقات الثابتة والمتينة بين العقيدة الإسلامية والقيم الأخلاقية الإسلامية.

1 / 5

٨- الإشعار بأن تعليم الأخلاق لا يعني مجرد توصيل المعلومات الأخلاقية إلى الأذهان فقط، بل يعني الإشعار بالمسئولية الأخلاقية وبتطهير النفوس وتزكيتها من الرذائل والشرور وتحليتها بالفضائل ومكارم الأخلاق.
٩- تكوين الشعور بالمحبة للفضائل والكراهية والنفور من الرذائل والشرور.
١٠- تنمية الميول نحو العمل بالقيم الأخلاقية، والدعوة إليها ما استطاع المعلم إلى ذلك سبيلًا في المدرسة وخارجها.
ولا بد مع ذلك من تعليم الأخلاق في إطار معايير ثابتة بها يعرف الدارس القيم الأخلاقية وبها يستطيع أن يميز بين العادات والتقاليد وبين القيم الأخلاقية.
وقد بينا تلك المعايير بشئ من التفصيل وقسمناها إلى قسمين: معايير الأخلاق الإسلامية في الجزء الأول من هذه الموسوعة، ومعايير التربية الأخلاقية في الجزء الثاني منها.
ولكي يكون التعليم الأخلاقي مؤثرًا في السلوك الأخلاقي لا بد من تحقيق الأمرين، الأول: دراسة الأخلاق من حيث كونها علمًا من العلوم الإسلامية، والقسم الثاني: التربية الأخلاقية الإسلامية. وهذا النوع من الدراسات للأخلاق الإسلامية تميزت به هذه الموسوعة عن غيرها من الدراسات الأخلاقية الأخرى التي تقتصر على الجانب الأول، ولا تتناول القسم الثاني إلا قليلًا، كما سنتناول في الجزء الثالث نظام الأخلاق الإسلامي.
ولهذا فإن هذه الدراسة -من هذه الزاوية- تعد من أوسع الدراسات الأخلاقية من حيث الشمولية على الجوانب الثلاثة المهمة.
والآن أرى من الأهمية أن أتعرض لأهمية كل جانب.

1 / 6

أولا: أهمية الأخلاق:
ونذكر جوانب هذه الأهمية في النقط الآتية:
١- أهمية الأخلاق باعتبارها من أفضل العلوم وأشرفها، ذلك أن علم الأخلاق- بالتعريف المختصر- هو علم الخير والشر والسلوك النافع والضار، والطيب والخبيث، ولهذا عندما يحاول بعض العلماء بيان قيمة علم الأخلاق بالنسبة للعلوم الأخرى فمنهم من يقول: إنه إكليل العلوم جميعًا، ومنهم من يقول: إنه تاج العلوم، ومنهم من يقول: إنه زبدة العلوم، ذلك أن العلوم الأخرى أساسا تساعد على الأخلاق في الكشف عن الخير والشر، وعن النافع والضار، وهما موضوع الأخلاق، ولهذا أيضًا فإن علم الأخلاق يستخدم العلوم الأخرى في الكشف عن مهمته وتحقيق أهدافه، وتعتبر تلك العلوم وسائل معينة لتحقيق هذا العلم.
٢- إن السلوكيات الأخلاقية وآدابها هي التي تميز سلوك الإنسان عن سلوك البهائم سواء في تحقيق حاجاته الطبيعية أو في علاقاته مع غيره من الكائنات الأخرى، فالآداب زينة الإنسان من حيث الجنس والأكل والشرب والنظافة، وتذوق السلوك الجميل وتمييزه عن السلوك القبيح، والبحث عن أفضل العلاقات وأحسنها في المعاشرة والمحادثة والتعاون والتآلف وتبادل المحبة والإكرام والإحسان والتراحم والتعاطف وغيرها.
ولهذا فالآداب الأخلاقية زينة الإنسان وحليته الجميلة، وبقدر ما يتحلى بها الإنسان يضفي على نفسه جمالا وبهاء، وقيمة إنسانية.

1 / 7

أهمية الأخلاق من حيث إن هدفها تحقيق السعادة في الحياة الفردية والجماعية.
ذلك أن الحياة الأخلاقية هي الحياة الخيرة البعيدة عن الشرور بجميع أنواعها وصورها، فكلما انتشرت هذه الحياة انتشر الخير والأمن والأمان الفردي والاجتماعي، وتنتشر أيضًا الثقة المتبادلة والألفة والمحبة بين الناس، وكلما غابت هذه الحياة انتشرت الشرور وزادت العداوة والبغضاء، والنفور والتناحر والتكالب من أجل المناصب، ومن أجل المادة والشهوات، والشرور أصلًا سبب التعاسة والشقاء في حياة الفرد والجماعة، ولذا قال أحد الأخلاقيين الغربيين: إن الحياة من غير قيم -وإن كانت حلوة على الشفاه- فإنها مرة على القلوب والنفوس؛ ولهذا أيضًا عندما يتكلم بعض علماء النفس عن عذاب الوجدان، يقولون: إنها لظى جحيم يعض قلوبنا ليلا ونهارا، ولهذا يرجع بعض علماء النفس الأمراض النفسية إلى عذاب الوجدان، ويقول: إن كل مرض نفسي يبدو وراءه نقص خلقي.
٤- أهمية الأخلاق من حيث إنها وسيلة لنجاح الإنسان في الحياة.
ذلك أن الإنسان الشرير والغاش والمعتدي على أعراض الناس وأموالهم أو على أنفسهم، أو الذي يؤذي الآخرين لا يكون محبوبًا أولًا بين الناس، ولا يثقون به، ولا يتعاملون معه، ثم أن الغشاش لا بد من أن ينكشف غشه وخداعه في يوم من الأيام إن عاجلا أو آجلا، وعندما يعلم أمره يعاقب أو يبعد عن وظيفته وإن كان تاجرًا لا يتعامل الناس معه وهذا يؤدي إلى فشله.
والطالب إذا غش فإنه لا بد من أن ينكشف أمره إما في أيام الامتحانات

1 / 8

أو بعد أن يتولى الوظيفة؛ لأن الغشاش يستخدم غشه ونيته السيئة أينما كان وسوف ينكشف أمره، ولهذا قال الشاعر:
ومهما تكن عند امرء من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم
ثم إن الطالب الذي يغش في الامتحان سوف يعتمد على الغش، وهذا يؤدي إلى ضعف تكوينه العلمي ويظهر ذلك بعد التخرج وبعد ما يتولى وظيفته.
٥- أهمية الأخلاق من حيث إنها وسيلة مهمة للنهوض بالأمة:
ذلك أن سقوط الأمم والحضارات كثيرًا ما ترجع أسبابها إلى الانهيار الأخلاقي فيها، كما قررها بعض المؤرخين مثل جيبون وابن خلدون.
الأخلاقيات الهدامة كثيرة منها: الظلم ونقض العهود والتناحر من أجل السلطة والعدوانية والتخريب، أما إذا انتشرت الروح الأخلاقية كالتضحية في خدمة الأمة وروح الإخاء والتعاون وتحقيق المساواة والعدالة الشاملة وتنفيذ العهود، سوف تؤدي إلى التقدم، ونجد أفراد الأمة يخترعون ويبدعون ويتفاخرون بتقدم أمتهم، ثم إن التقدم يكون نتيجة سيادة الأمن والاستقرار في المجتمع، ولا يتحقق هذا وأمثاله إلا بانتشار الأخلاق والروح الخيرة والتعاون المثمر والقيام بالواجبات والأعمال والصناعات كما ينبغي ويجب.
والحقيقة أني ما كنت أدرك سر أهمية الأخلاق في تقدم الأمم ونهضتها، وكان مفتاح الوقوف على السر هو قراءتي لحوار جرى مع وزير التعليم الياباني قبل عشرين سنة تقريبًا فيسأل الصحفي الوزير ويقول: ما سر تقدم اليابان هذا

1 / 9