Islam dan Tamadun Manusia
الإسلام والحضارة الإنسانية
Genre-genre
ولم يخالف المؤلف ديدن زملائه في خصلتين ملازمتين لأكثر الكاتبين عن الإسلام والعرب من الأوروبيين، فإنه ليستريح إلى الإقلال من عدد المتكلمين باللغة العربية فيحصيهم بنحو خمسين مليونا وهو يستطيع أن يعلم بغير حاجة إلى البحث الطويل أن خمسين مليونا يتكلمون العربية يعيشون في أفريقيا الشمالية وحدها دون سائر الأمم الأفريقية الأخرى وراء مراكش والجزائر وتونس وليبيا ووادي النيل، ولا يقل المتكلمون باللغة العربية إلى الغرب من القارة الآسيوية عن ثلاثين مليونا بين جزيرة العرب ووادي النهرين وسائر أقطار الهلال الخصيب، وقد يبلغ العارفون بالعربية من غير العرب عدة ملايين.
والخصلة الأخرى التي ينساق إليها المؤرخ الغربي عن سوء فهم منه للظواهر الفنية أحيانا هي التطفيف من نصيب الذوق العربي الخالص من نهضة الفنون والثقافة في الدول الإسلامية أو «الإمبراطورية» الإسلامية كما يسميها.
فقد يكون المهندسون أجانب عن السلالة العربية الخالصة، ولكن الذوق العربي بلا جدال هو الذوق الذي غلب على هندسة المعمار في كل قطر من أقطار المشرق والمغرب، وما من أحد ينظر إلى العمدان والأقواس التي تحمل القباب ثم يشك في قيامها جميعا على أساس من إلهام «النخلة» بقوامها المديد النحيل وقبتها المعرشة وأقواسها المتناسقة على جهاتها الأربع، وليس التقابل بين الأشكال الهندسية على النسق المعروف عند الإفرنج باسم «الأرابيسك» إلا تكرارا في فن البناء للتقابل بين القوافي والأعاريض والشطور في فن القريض.
ولا نكران لنقد الناقدين من جهابذة الفن الذين يأخذون على فن «المعمار» العربي خلوه من صور الكائنات الحية ومن صور النبات في أكثر الأحايين، ولكن هؤلاء النقاد ينسون أن مذهب المعمار العربي قابل للدفاع عنه من الجانب الفني الخالص، وإن ظنوا أن الدفاع عن هذا المذهب مقصور على الجوانب الدينية، فقد رأى الفيلسوف الكبير «عمانويل كانت» أن الفن الخالص يتمثل في المعمار العربي وحده، وقلما يتمثل على هذا النحو في فنون المعمار الأخرى؛ لأن جماله مستمد من جمال الأشكال غير مستعار من الصور والأشباه التي يقاس جمالها بغير مقاييس الهندسة ومقاييس البناء، ومن الإنصاف للذوق العربي أن نذكر أن أشكال الهندسة أقرب إلى قوام الجدار والسقف والعمود الحجري من الصور الحيوانية أو النباتية، فإذا حسنت التحلية بصور الأحياء أو صور النبات فأحرى أن يوكل ذلك إلى نقش الرسوم التي تعلق بألواحها على الجدران، كأنها بعض الأثاث الجميل بين سائر المقتنيات الفنية التي تحتويها الحجرات والبيوت.
وما دام الأمر لا يرجع إلى فقدان التعاطف بين الإنسان وسائر الخلائق الحية فلا معابة فيه على الذوق ولا على الشعور، ولكنه تقسيم لمواضع الجمال الفني حيث ينبغي أن توضع من جدران البيوت أو مقتنيات البيوت.
أما أن تجريد المعمار العربي من الرسوم الحية لم يكن يرجع إلى فقدان التعاطف بين العربي وسائر الخلائق الحية، فهو حقيقة لا تخفى على من يروي القليل من الشعر العربي فضلا عن الكثير، فإن الشاعر الذي لا ينسى الناقة ولا الفرس ولا الربيع والمرعى قبل عصر الحضارة خليق أن يحس الحياة والأحياء تحت قبة السماء، ولا ينتظر أن يخلق إحساسه بها تحت قباب الهياكل والقصور.
وينتقل المؤلف من حديثه عن عصر الحضارة إلى حديثه عن قضايا العصر الحاضر، فلا يفوته أيضا أن يدلي بدلوه في تلك السخافة التي تعاهد عليها زملاؤه الصحفيون، أو المؤرخون العصريون من أبناء الغرب كلما ذكروا قضية فلسطين، فهي عندهم قضية كسبتها عصابات إسرائيل من الأمم العربية في ميدان القتال وانتصرت فيها بجيشها وسلاحها على دول العرب مجتمعات، ولم يكن أحد - بعيدا عن الشرق الأوسط - يجهل أن إسرائيل كانت تحارب بسلاح الدول الغربية ومالها، وكانت تلقى التشجيع من تلك الدول فتزحف على الأرض المحرمة ويصبح احتلالها تلك الأرض «أمرا واقعا» و«حقا مكتسبا»، على حين يضطر العرب إلى الجلاء عن أماكنهم بأمر السادة المسلطين على حكوماتهم وجيوشهم، ثم يقتل وسطاء الهيئات الدولية الذين يكفون إسرائيل عن العدوان أو يترددون في استجابتها إلى دعواها، فلا ينالها من جراء قتلهم جزاء ولا يحول بينها وبين المزيد من معونة السلاح والمال.
إن البعيدين عن الشرق الأوسط يعلمون ذلك فلا ينساقون إلى القول بانتصار إسرائيل عن حسن نية، ولا يقررون هذه السخافة إلا وهم يتعمدون المغالطة ويسترون الجريمة المشتركة بين حكوماتهم وعصابات الصهيونية العالمية، فإذا بدرت تلك السخافة من مقيم في الشرق الأوسط مطلع على الأخبار من مصادرها، فهو في الواقع يبتدع تلك السخافة ويعمل على ترويجها ولا يتورط فيها مضطرا إليها بعد اختراعها وترويجها.
وبيت القصيد من هذا كله ينجلي عند ختام الكتاب من الأسطر القليلة التي عقب بها المؤلف على كلامه عن النفط في البلاد العربية، وعن القوة التي تستفيدها هذه البلاد من تزاحم الأمم على آبارها وإدراكهم لخطر مراكزها في معترك السياسة العالمية، وهذه أسطر الختام منقولة بحروفها: ... كلما ازدادت ثقة العرب وجب عليهم أن يثقوا بشعوب الغرب التي تعودوا أن يسيئوا بها الظنون منذ أيام الوصاية والانتداب، وعلى الغربيين - من جانبهم - أن يذكروا أنه قبل قرون عديدة سبقت وصول الرجل الأبيض إلى أمريكا كان العرب سادة الدنيا وزعماء حضاراتها.
الفصل السادس والعشرون
Halaman tidak diketahui