Isharat al-Sabaq ila Ma'rifat al-Haqq
إشارة السبق إلى معرفة الحق
Penyiasat
إبراهيم بهادري
Penerbit
مؤسسة النشر الإسلامي
Nombor Edisi
الأولى
Tahun Penerbitan
1414 AH
Lokasi Penerbit
قم
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله على ما عم من نعمه، وخص من عوارف جوده وكرمه، وصلاته على سيدنا محمد نبيه صلى الله عليه وآله وسلم المؤيد بإعجاز وحيه (1) وكلمه، النافذ أمره في عروب الوجود وعجمه، وعلى أهل بيته خزان علمه وحكمه، وحفاظ عهده وذممه.
وبعد، فقد أشرت إلى تحرير ما يجب اعتقاده عقلا، والعمل به شرعا; إشارة تعم باشتمالها (2) على أركان كل واحد من التكليفين (3) نفعا، وتفيد من وعاها وآثرها ضبطا وجمعا.
ومن الله أستمد المعونة على ما يرضيه، والمثوبة على ما أعبده من الحق وأيد به (4).
إن الذي يجب اعتقاده من الأركان الأربعة التي هي: التوحيد والعدل والنبوة والإمامة، هو ما يعم تكليفه ولا يسع جهله، مما جملته كافية أهل الجمل
Halaman 13
دون النظار وأهل التفاصيل. وذلك مما (1) لا يتم ثبوت كل واحد من هذه الأركان إلا بثبوته وما زاد على ذلك مما يتنوع من المباحث العقلية، ويتفرع من الدقائق الكلامية لا يلزم أصحاب علم الجملة، ولا هو من تكليفهم، بل هو من تكاليف النظار المفصلين ولوازمهم، وربما أن فيه ما ليس بلازم لهم، بل هو مما قد تلزموا به، إما ديانة وتحقيقا، وإما فضيلة وتدقيقا.
ولما كانت جملة هذا التكليف التي لا بد منها ولا غنى عنها، يقل (2) رسمها، لسهولتها وتفاصيلها التي تكلفها النظار يكثر رقمها، ويطول شرحها لصعوبتها، كانت الإشارة إلى ذلك، بحيث لا تفريط في إيراد ما يفيد علمه، ويعود نفعه وفهمه، ولا إفراط فيما يتسع نظمه، ويكشف حجمه أجود ما عول عليه المستفيد، وأجرى (3) ما نحاه واستزاد به المستزيد، فخير الأمور أوسطها، وهو ما سلكته في هذه الإشارة.
أما الكلام في ركن التوحيد فهو في إثبات صانع العالم سبحانه، وما يستحقه من الصفات نفيا وإثباتا، وذلك يترتب على حدوث العالم.
وبرهانه: لو كان قديما لوجب وجوده فيما لم يزل، وذلك يحيد صحة (4) تنقل جواهره الآن، وهو محال، ولو لم يكن محدثا لم تكن أجسامه مختصة بالحوادث التي
Halaman 14
هي ملازمة لها غير منفكة عنها، واختصاصها على الوجه الذي لا يصح حلوها في وجودها منها حاصل، وكلما لا يخلو من المحدث ولا يسبقه في وجوده، فهو محدث.
ولو صح خلو جسم من تعاقب الصفات الموجبة عن الأكوان اللازمة له في وجوده عليه، لم يكن معقولا فضلا عن أن يكون موجودا، لأنه قلب لجنسه المقطوع على استحالته، وإذا لم يعقل (1) خلو الأجسام من الحوادث الملازمة لها في وجودها فلا بد من كونها محدثة مثلها، وتناهي الحوادث مقطوع عليه بأنه إذا ثبتت لآحادها الأولية فلا بد من ثبوتها لمجموعها، وإلا فإثباتها حوادث مع نفي تناهيها متناقض، وثبوت حدوثه دال على إثبات محدثه، لكونه ترجيحا لوجوده على عدمه، وترجيح أحد الجائزين على الآخر لا بد له من مرجح.
وعلى كونه فاعلا مختارا لأن الموجب يستحيل تخلف معلوله عنه، فإن كان قديما أدى إلى التباس الأثر بالمؤثر، واحتياج كل واحد منهما إلى الآخر في نفس ما احتاج الآخر إليه فيه، وإن كان محدثا احتاج إلى محدث، ويلزم على كليهما الدور والتسلسل.
وإذا ثبت كونه تعالى فاعلا مختارا، وجب كونه قادرا، لأنه قد صح منه الفعل المتعذر على غيره، وكل من صح منه ذلك، لا بد أن يكون قادرا.
وعالما، لأنه أحكم أفعاله وأتقنها، إحكاما يتعذر على غيره، وذلك لا يتأتى إلا من عالم.
وحيا، لأنه قد صح كونه قادرا عالما، لا بل قد وجب (2)، وصحته فضلا عن
Halaman 15
وجوبه لا يثبت إلا لحي (1).
وموجودا، لأنه أثر ما لا يعقل (2) كونه أثر المعدوم، ولأن له تعلقا بمقدوراته ومعلوماته يرجع إلى ذاته وثبوته مع انتفاء الوجود محال.
وقديما لما ثبت، من انتهاء الحوادث إليه ومن تأثيره ما يتعذر على كل مؤثر سواه.
وسميعا بصيرا، بمعنى أنه حي لا آفة به، لما ثبت من كونه كذلك.
وهذه صفات ذاته الثبوتية التي يستحقها أزلا وأبدا، لأنها واجبة له لا لموجب (3) لأنه لو صح إسنادها إلى موجب زائد على ما هو عليه في ذاته، لكان إما قديما، فتلزم المماثلة، وقد ثبت أنه لا مثل له تعالى من حيث إنه لا ثاني له في القدم، وإما محدثا فيتوقف إحداثه على كونه محدثه أولا، ويلزم الدور، فكانت واجبة لما هو عليه في ذاته فيما لم يزل، واستحال بذلك خروجه عنها فيما لا يزال.
وهو تعالى مدرك للمدركات إذا وجدت، لاقتضاء كونه حيا لا آفة به ذلك، وإدراك المعدوم (4) لا بمعنى كونه معلوما، بل بمعنى كونه مسموعا مبصرا محال.
وهذه الصفات (5) المقتضاة عن صفة الذات فيه سبحانه وعن صفة المعنى في غيره، واجبة له، لا على الإطلاق بل بشرط منفصل.
ومريد وكاره، لجواز تقديمه من أفعاله أو تأخيره ما لا خفاء في جواز
Halaman 16
العكس فيه، فلولا المخصص لم يكن لتقديم ما قدم وتأخير ما أخر وجه، ولأن العالم بعله وغرضه به يخصه مع خلوه من السهو والغفلة، وكونه مخلا بينه وبين الإرادة يجب كونه مريدا.
وهذه حاله سبحانه، فهو مريد على الحقيقة، ولأنه أمر بالطاعة ونهى عن المعصية، فلولا أنه مريد لما أمر به كاره لما نهى عنه، لم يتميز الأمر ولا النهي من غيرهما، ولا كان لكونه آمرا وناهيا وجه، ويستحيل استحقاقهما لذاته وإلا لزم قدم المرادات واجتماع المتضادات للذات ولمعنى قديم، لأنه لا قديم سواه، ولمعنى محدث حاله فيه، لاستحالة كونه محلا للحوادث وفي غيره، لوجوب رجوع حكمه إليه إن كان حيا واستحالته في الجماد، فلا بد من وجودهما لا في محل.
وما (1) لا يجوز عليه تعالى مما يجب نفيه عنه، فمنه ما لفظه ومعناه يفيد السلب، وهو نفي المائية (2) المحكية عن ضرار بن عمرو (3) لأنه لا حكم يدل على ثبوتها ولا طريق إلى صحتها، والأصح إثبات الكيفية والكمية، وهو جهالة، ونفي الجسمية والجوهرية والعرضية، لما ثبت من قدمه وحدوث ذلك أجمع، فلولا استحالة كونه بصفة شئ منها لوجب حدوثه أو قدمها، لثبوت المشاركة في الحقيقة، ولأنه فاعل ما فعل من ذلك اختراعا، فلو كان مثلها تعذر عليه إنشاؤها واختراعها، كما تعذر على غيره.
Halaman 17
ونفي الرؤية بالأبصار والإدراك بسائر الحواس، لأنه لو صحت رؤيته آجلا لوجبت عاجلا، لأن الرؤية إذا صحت وجبت، وإذا لم تجب استحالت وفي استحالتها الآن وجوب استحالتها هناك، ولأنه ليس بمقابل ولا حال فيه ولا في حكمه، فلا يعقل كونه مرئيا ولا محسوسا، وقد تمدح بنفي الرؤية عنه تمدحا عاما، فإثباتها نقص لتمدحه، لاطراد ذلك في كلما تمدح بنفسه، كالسنة والنوم وغيرهما.
ونفي الاتحاد، لأنه إن أريد به الحلول، فهو من خصائص الإعراض، أو المجاورة، فهو من لوازم الأجسام، وكلاهما مستحيل عليه، وإن أريد به غيرهما لم يكن معقولا. ونفي الاختصاص بالجهات والحلول في المحال بمثل ما ذكرناه.
ومنه ما لفظه ثبوتي ومعناه سلبي، وهو كونه غنيا، لأنه حي يستحيل عليه (1) الحاجة التي لا وجه لثبوتها إلا اجتلاب المنافع ودفع المضار المترتبين على ثبوت الملاذ والآلام المصححة للشهوة والنفار المختصين بالأجسام. فلما استحال ذلك عليه مع كونه حيا، استحال كونه محتاجا، وثبت أنه غني.
وكونه واحدا لا ثاني له في القدم، لأنه لو كان له ثان، لجاز وجود أحدهما مع عدم الآخر، أما في الزمان أو المكان أو المحال، لثبت لهما ما به تتميز الذاتان من الذات الواحدة، وتأتي ذلك في القديم غير معقول، ولأنه لا طريق إلى إثبات الثاني من نفس الفعل ولا من واسطته (2)، وإثبات ما لا طريق إلى إثباته جهالة، ولأن إثباته مكاف لإثبات ما زاد عليه، وفيه ارتفاع الفرق وإمكانه بين الحق والباطل، وهو محال، فإذا انتفى عنه الثاني - شريكا كان أو نظيرا - ثبتت وحدانيته، والسمع كاف في الدلالة على ذلك.
Halaman 18
أما الكلام في ركن العدل فإنه يترتب على أصلين: أحدهما إثبات التحسين والتقبيح العقليين، لأنه قد ثبت عموم العلم بمحسنات ومقبحات، لا يقف العلم بحسنها وقبحها على ما وراء كمال العقل، ولا يمكن الخروج عنه معه، فلولا أنه من جملة علومه، لم يكن لجميع (1) ذلك وجه، ولا تأثير لأمر ولا نهي، في حسن مأمور ولا قبح منهي، لأنهما لو أثرا لتوقف العلم بحسن ما حسنته العقول، وقبح ما قبحته على ورودهما فيستحيل الجميع (2)، لما فيه من الدور، وكان لا يقبح منه تعالى تصديق الكذابين، الذي لو جاز عليه لم يبق طريق إلى العلم بصدق الأنبياء - عليهم السلام - ولا بصحة الشرائع، وما بصحة مدلوله فساد دليله إلا غير خاف الفساد (3).
وثانيهما: إثبات إقداره تعالى على ماله صفة القبيح (4)، لأن استناد كونه قادرا إلى ما هو عليه في ذاته، يقتضي عموم تعلق قادريته بكل مقدور على الوجه الذي لا يتناهى.
ومن جملة المقدورات القبيح، فيجب كونه قادرا عليه، ولأن القبيح مقدور لنا، لصحة وقوعه منا، وهو آكد حالا منا في كون قادرا، فلا وجه لكونه غير قادر عليه، كما لا وجه لاختصاص قادريته بمقدور دون غيره. وحينئذ يجب كونه متنزها عن فعل القبيح، لأنه عالم لا يجهل، وغني لا يحتاج، فهو عالم بقبحه، واستغنائه
Halaman 19
عنه، ومع ثبوت ذلك لا يجوز أن يختار فعله، لأنه لا يكون إلا لداع، وهو أما جهل بقبحه، أو حاجة إليه (1)، ومع استحالتهما وثبوت داعي الحكمة الذي لا يتقدر له داع سواه (2)، لا بد من كونه متعاليا عنه (ولأن وجه حسن الفعل داع إليه ووجه قبحه صارف عنه) (3) إذا المخبر فيهما مع علمه بهما لغرض مستوفي كليهما لا يختار إلا الحسن الذي وجه حسنه داع له إلى فعله، وإن جاز عليه خلافه، فأولى بذلك من لا يجوز عليه ما ينافي داع الحكمة ولا ما يخالفه.
ولأنه لو جاز منه وقوع القبيح لسمي بأسمائه التي إطلاقها تابع لوقوعه، فكما استحال أن يسمى بشئ منها (4) يكون وقوع القبيح منه أولى بالاستحالة وعن إرادته، لأنه تابعة المراد، فمتى كان قبيحا كانت هي أيضا قبيحة، فلما لم يجز عليه فعله لم يجز منه إرادته، ولأنه لا فاعل لإرادته سبحانه سواه، فلو جاز أن يريد القبيح، كان على الحقيقة فاعلا له، وذلك مناف لحكمته التي يستحيل منافاتها ولأنه ناه عنه، لكونه كارها له، فلو أراده كان على الشئ وحده وعن الأمر به لقبحه ولمنافاته لما ثبت من حكمته، ولاستحالة كونه آمرا بما ثبت كونه عنه ناهيا، مع اتحاد الوقت والمأمور، فإنه لا يأمر إلا بما يريد، كما لا ينهى إلا عما يكره.
وقد ثبت بذلك تنزهه عن كلما يتبع إرادة القبيح من مشيته ومحبته والرضى به، إذ كل واحد من ذلك إرادة مخصوصة، وعن قضائه وقدره، لوجوب الرضى بهما، والصبر عليهما، مع قبح الرضى والصبر مما ليس بحسن (5)، ولأنه لو جاز أن
Halaman 20
يقضي ويقدر شيئا من القبيح كان العبد بذلك معذورا غير ملوم، كما لا ملامة عليه في كل ما قضاه وقدره من أفعاله سبحانه وكانت حجة العباد عليه (1)، لاستحالة خروجهم عن قضائه وقدره، فلا يبقى له في كل ما احتج به عليهم حجة، ولا وجه مع ذلك لبعثة نبي ولا إنزال كتاب ولا نصب دلالة ولا أمر ولا نهي.
والوجه في جميع ذلك ظاهر، وأفعاله سبحانه كلها مقضية مقدرة (2) لكونها حكمة وصوابا وصلاحا، سواء ظهر الوجه فيها مفصلا أو مجملا أو لم يظهر، فإنه يجب إلحاق ما خفي وجهه منها بما ظهر ذلك فيه، وحمل الجميع على الأصل المقرر بأدلته، لاستحالة تنافي مدلول الأدلة.
ومن جملة صفاته الفعلية كونه تعالى متكلما، لاستحالة أن يكون الكلام ذاتيا أو معنويا، لأنه لا حكم لذلك، فلا طريق إليه، ولو كان كذلك وجب شياع كلامه في كل ما يصح أن يسمى كلاما، من كذب وغيره، فلا يوثق مع ذلك بخطابه، لانسداد طريق العلم القطعي بصدقه وصدق أنبيائه، فلا معنى لكونه متكلما إلا ما هو معقول من كونه فاعلا.
وقد تبين بذلك حدوث كلامه كحدوث جميع أفعاله. ويزيده بيانا أنه مؤلف من الحروف والكلمات التي لا فائدة فيها إلا باختلافها وترتيبها في تقديم بعضها على بعض، وباشتماله على البداية والنهاية والتجزئ والانقسام الذي هو من خصائص الحدوث، لاستحالة جميع ذلك على القديم، وكل ما يقع من العباد
Halaman 21
من فعلهم باطنا وظاهرا منسوب إليهم لا إليه لوجوب (1) وقوعه بحسب الداعي والإرادة، وانتفائه بحسب الصارف والكراهة، فلو لم يكن فعلا ممن وقع منه لم يجب ذلك، وجاز خلافه، كما لا يجب في كل ما ليس من فعلهم ذلك ، لظهور الفرق بينهما، ولأن وجوب استحقاقهم المدح على فعل، والذم على آخر كاشف عن كونهم فاعلين وإلا لم يكن لهذا الاستحقاق وجه، كما لا وجه له في كل ما لا تعلق لهم بفعله، ولأنهم مأمورون ومنهيون، مرغبون بالمثوبة على امتثال ما أمروا به، مرهبون بالعقوبة على مخالفتهم، فلولا أنهم ممكنون من ذلك، لم يكن لجميعه وجه، ولأن نفي كونهم فاعلين يسد طريق العلم بإثبات الفاعل مطلقا، وثبوت الفعل مع انتقاء الفاعل مما لا يعقل، لكونه جهالة.
وقد ظهر بذلك أن أفعالهم ليست مخلوقة فيهم، ويزيده ظهورا أنه يستحيل وقوع الفعل الواحد بفاعلين، كما يستحيل وقوع مقدور الواحد بقدرتين، لاستحالة كون الشئ الواحد موجودا معدوما، واقعا مرتفعا، في حالة واحدة، فيتحقق بذلك بطلان الكتب، وإن كان غير معقول، لكون العلم بكل واحد من صحته وحقيقته موقوفا بالعلم على الآخر، مع أنه إن كان نفس الفعل فهو واقع بفاعله، وإن كان وجهه الذي يقع عليه فهو تابع لاختيار الفاعل وقصده، لاستحالة تجرده عن ذات الفعل وماهيته، فلا معنى لكون العبد مكتسبا إلا كونه فاعلا، وليس في العقلاء من يسند الفعل الواحد إلى فاعلين: أحدهما محمود، وهو الخالق، والآخر مذموم، وهو العبد المكتسب، إلا المجبرة والمجوس.
وإذا ثبت كون العباد فاعلين ثبت كونهم قادرين، لاستحالة وقوع المقدور
Halaman 22
لا بقادر، ولأن لهم بصحة وقوعه مزية على تعذره لولاها لم يكونوا بأحدهما أولى من الآخر، وهي مستندة إلى القدرة المحدثة، لاستحالة كونها ذاتية أو فاعلية، ولأن جواز حصول القدرة وإن لا تحصل، وثبوت التفاضل بين القادرين في كونهم كذلك مع استمرار (1) ما هم عليه من حال وشرط دلالة على ثبوت القدرة إذ لا وجه لشئ من ذلك إلا باعتبارها وقدرهم متعلقة (2) بحدوث أفعالهم، لاتباع تعلقها صحة الحدوث، وهي متقدمة على الفعل، فيصح (3) كونها مؤثرة فيه ومخرجة له من العدم إلى الوجود، لأن تأخرها يستحيل منه ذلك (4) فكيف يكون به، ومقارنتها تنافي الاختيار، ويقتضي كونها (5) علة في أثرها، وهو ظاهر الفساد، لمنافاته ما دلت عليه الأدلة ، فصح كونها متقدمة ومتعلقة بالضدين لصحة التصرف في الجهات المختلفة مع تضادها، ولأنها ليست بأحدهما أولى من الآخر، فلو لم تكن متعلقة بهما للزم اجتماعهما عند حدوث الفعل، فلا يخفى فساده (6)، وإيجابها الصفة وتعلقها بمتعلقها لما هي عليه في نفسها لكونها لا تعلم إلا كذلك، وهي مختلفة لا متضاد ولا متماثل فيها لتعلق كل جزء منها بجزء من المقدور مع اتحاد الوقت (7) والجنس والمحل، ولاستحالة أن يصح بكل جزء منها غير ما يصح بالآخر، لكونه إيجاد موجود.
Halaman 23
فأما مع اختلاف ما ذكرناه فلا انحصار لتعلقها، وهي متفقة فيه (وإن اختلف، لأنه لا وجه لاختلافها فيه) (1) وشرط مقدورها أن يكون ممكنا في نفسه، لاستحالة تعلقها بما ليس كذلك.
فعلى هذا يكون تكليف الكافر بالإيمان ممكنا، لكونه مقدورا له وحسنا، لكونه إرادة حكيم منزه عن كل قبيح.
وقد يكون واجبا في الحكمة لتكامل شروطه، ولا تأثير لتعلق العالمية بأنه لا يختاره، إذ ليست مؤثرة في معلومها ولا مضادة لوقوعه منه، فكان ممكن الوقوع باعتبار تمكنه واقتداره محالا بسوء اختياره، ولو أوجب تعلق العالمية كفر الكافر، لأوجب إيمان المؤمن، فيقبح التكليف، ويسقط ما يترتب عليه، وقد كلف الله سبحانه كل من أكمل له شروطه التي هي الحياة والعقل والاقتدار والتمكين ونصب الأدلة وإزاحة العلة وشهوة القبيح والنفار عن الحسن والألطاف المعلومة له، لأنه مع إكمالها إذا لم يغن (2) بالحسن عن القبيح، بل جعل ما أمر به شاقا، لكونه مؤلما منفورا عنه وما نهى عنه كذلك، لكونه ملذا مشتهى، فلولا كونه مكلفا كل من أكمل له فعل المشاق وترك الملذ كان عابثا أو مغريا له بالقبيح ويتعالى الله عنهما ولا وجه لكونه باعتبارها غير مكلف، لأنه على الصفات المعتبرة في ثبوت كونه كذلك، وحسن هذا التكليف معلوم، لاستناده إلى مكلف حكيم، ولتضمنه التعريض إلى استحقاق المنافع العظيمة التي لا تستحق إلا به، لقبح الابتداء بمثلها، وذلك هو الغرض به، والتعريض للشئ في حكم إيصاله، والمخاطب به
Halaman 24
من تكاملت له شروطه المشار إليها، وهو من جملة المشاهدة المسماة إنسانا مالا يتم (1) كونه حيا إلا به، ولا اعتبار بما سوى ذلك، كما لا اعتبار بالسمن بعد الهزال، ولا بالزيادة بعد النقصان، لأن الحياة حالة في الجملة. والأفعال صادرة عنها، والأحكام متعلقة بها، والإدراك واقع ببعض أعضائه (2) فلولا أن التكليف منها (3) ما بيناه لم يكن لجميع ما ذكرناه وجه، كما لا وجه له بالنسبة إلى الشعر منها والظفر.
وما به يتعلق التكليف إما إلزام بفعل، فإيجاب، أو ما هو أولى، فندب، أو ما منع من فعل، فحظر، أو ما الامتناع (4) منه أولى، فكراهة ومكروه.
وذاك إما عقلي أو سمعي، من أفعال القلوب أو الجوارح الظاهرة، داخل تحت الطاقة والاستطاعة، لكونه مقدورا للمكلف، بشهادة (5) العقول بقبح تكليف ما لا يطاق، سواء كان بفقد (6) قدرة أو آلة أو شرط من شروطه التي لا يحسن إلا معها، ولكونه مستحيلا بأن لا يكون مقدورا، ولا وجه لقبحه إلا لكونه تكليفا بما لا يطاق، لثبوت حسنه بثبوت الطاقة، وانتفائه بانتفائها، ولا يتعلق بما لا حكم له ولا استحقاق به كالمباح.
ويعتبر في قيام المكلف به، معرفته بمكلفه سبحانه على صفاته جملة
Halaman 25
وتفصيلا، وبالتكليف على صفته وبكيفية ترتيبه وإيقاعه، وإلا لم يفد قيامه به، ولا بد من فاصل بين التكليف وبين ما يستحق عليه، لأنه لو اتصل به ممازجا أو معاقبا لزم الإلجاء المنافي له، وحصول المستحق على الوجه المنافي لما به يستحق محال، فكان انقطاعه واجبا لذلك، وهو إما بالفناء (1) أو بغيره مما تتعلق به المصلحة، وتقتضيه الحكمة، ولا ضد للجواهر إلا الفناء وبوجوده إلا في محل (2) ينتفي وجودها جملة، ووجود ما يتبعها ويختص بها تبعا لانتفائها، وطريق إثباته السمع، وهو إجماع الأمة وظواهر الآيات وما هو معلوم من الملة الإسلامية والشريعة النبوية، فيكون عدم الجواهر به حقيقيا لا مجازيا، وإعادتها بأعيانها لإيفائها، والاستيفاء منها مقدور له سبحانه، ليتميزها (3) بما لا تعلم إلا عليه، ولا يصح خروجها عنه، لاستحالة خروج المعلوم عن كونه معلوما، ولا تجب إعادة ما زاد من الجملة على ما به يكون المكلف مكلفا، بل ذلك راجع إلى اختيار الحكيم ولا إعادة من لا مستحق له أو عليه.
وما علم تعالى أنه يقرب المكلف إلى ما كلف فعلا واجتنابا، أو يكون معه أقرب باختياره هو المسمى باللطف والصلاح، وهو إما عام أو خاص، أو ما هو أخص منهما، إما من فعله تعالى (4) أو من فعل المكلف لنفسه أو من فعل غيره له إذا كان في المعلوم فعله أو ما يقوم مقامه، والحكمة تقتضي فعله لوجوبه، لأنه جار مجرى التمكين والأقدار، وقبح منعه كقبح منعهما، ولأن منعه مناقض للغرض
Halaman 26
المجري بالتكليف إليه، والحكم لا يناقض غرضه، لكونه منافيا لحكمته، وشروطه تقدمه على ما هو لطف فيه، وثبوت مناسبته بينهما وخلوه من كل مفسدة، وهو فيما لا يتعلق بالدين غير واجب، إذ لا وجه لوجوب الأصلح الدنياوي، ولا طريق إليه، لاستحالة كونه تعالى في كل حال غير منفك من الإخلال بالواجب، وتقتضيه المفسدة، ولا يجب المنع منها بل الإعلام بها والتمكين من دفعها، لإزاحة العلة، واستتمام الغرض بذلك.
ولا وجه في اللطف إذا كان مصلحة في أمر أو لمكلف مفسدة في غيره ولآخر، كما لا وجه لكل مصلحة لا تتم إلا بمفسدة.
ومعرفة الله تعالى واجبة، لكونها أصلا لجميع التكاليف المكتسبة، عقلا وشرعا، لكون اللطف الذي هو العلم باستحقاق الثواب والعقاب على الطاعة مشروطا بثبوتها، ومتوقفا على حصولها، ولكونها شرطا في شكر نعمه سبحانه تعالى وعبادته، التي هي كيفية في شكره الذي لا يصح إلا بعد صحتها، ولا يثبت حقيقته إلا بعد ثبوتها.
وكلما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولا وصلة إليها في دار التكليف إلا بالنظر الحاصل على شروطه، لاستحالة كونها ضرورية أو حاصلة عن طريق يرجع إلى الضرورة، لثبوت الخلاف فيها، وارتفاعه في كل ضروري.
ولسنا في تكليف العلم بالمكلف مضطرا إلى العلم به، أو سمعه (1)، لتوقف العلم بصحة السمعيات على تقدمها، وأن السمع (2) مؤكد لوجوبها، فكانت
Halaman 27
باعتبار ما ذكرناه نظرية واستدلالية، وكان النظر واجبا لوجوبها، وهي على التحقيق أول الواجبات، فيكون ما هو وصلة إليها وسبب فيها كذلك (1) لأن ما عدا النظر من جميع الواجبات العقلية والسمعية قد يخلو المكلف منها إما وجوبا أو جوازا، أو لا يخلو من وجوبه عليه، فكان أول الواجبات وصلة وترتيبا.
وإنما يجب عند حصول الخوف والرجاء، وقد يحصل خوف المكلف بسبب لا يتعدى عنه، لتدبره ما هو عليه من أحواله، وما هو فيه من النعم ظاهرا وباطنا، وبسبب خارج عنه، لسماعه اختلاف العقلاء في المذاهب والآراء، مع فقدهما وفقد ما به يحصل كل واحد منهما، لا بد من ورود الخاطر عليه، وأولى ما كان كلاما داخل سمعه متضمنا إخافته من إهمال النظر وحثه على استعماله (2) وتجويز الضرر يقتضي وجوب الاحتراز منه، معلوما كان أو مظنونا، وذلك باعث على النظر ومؤكد لوجوبه، وهو مولد للعلم مع تكامل شروطه، لكونه واقعا بحسبه وتابعا له، يقل بقلته ويكثر بكثرته، فكان مسببا عنه ومتولدا من جهته، ومن لم يولد نظره العلم فلتقصير منه، أما في النظر أو في المنظور فيه أو لأنه نظر في الشبهة لا في الدليل، والنظر فيها لا يولد شيئا ولا يفضي بصاحبه إلا إلى الجهل أو الشك، والجهل ليس مسببا ولا متولدا عن النظر، لكونه نقيض العلم وضده، لاستحالة الجمع بين النقيضين.
والمنظور فيه لاكتساب المعرفة الواجبة ما خرج عن مقدور كل قادر بقدرة (3) مما يختص سبحانه بالاقتدار عليه، ومن الجائز في أصل العقل أن يخلو
Halaman 28
العاقل من كل تكليف، لكن ذلك مشروط بأن يغنيه بالحسن عن القبيح، ولا يثبت ذلك إلا بأن يكون مشتهيا للحسن (1)، نافرا عن القبيح لا بالعكس من ذلك، فبتقديره يكون خلوه من التكليف جائزا، لكونه غير مناف للحكمة، ويكون كمال عقله مع ما يضامه من أصول النعم الباطنة والظاهرة نعمة منه سبحانه عليه، وإحسانا إليه، والعقل يقتضي حسن الابتداء بذلك لا قبحه.
ومما يتفرع على ركن العدل الكلام في الوعد والوعيد، وهو ما يستحق بالتكليف فعلا وتركا، والمستحقات ستة:
المدح والذم والثواب والعقاب والشكر والعوض ، فالمدح يتميز بكونه دالا على الارتفاع، والذم بكونه دالا على الاتضاع، والثواب بوقوعه مستحقا على وجه التعظيم، والعقاب بوقوعه مستحقا على وجه الإهانة، والشكر بوقوعه اعترافا مقصودا به التعظيم، والعوض بانقطاعه (2) وتعريه من تعظيم.
ويعتبر في المدح والذم العلم بما به يستحقان، والقصد إلى كل واحد منهما، والوضع العرفي فيهما، ويثبتان بالقول حقيقة وبالفعل مجازا، ويشتملان على أسماء ودعاء، ويستعمل كل واحد منهما بحسب الموجب له مطلقا في موضع، مقيدا في غيره، ويعلمان عقلا، لاقتضاء ضرورته (3) لهما.
فما به يستحق المدح، إما فعل الواجب لوجه وجوبه، أو الندب لوجه ندبيته، أو اجتناب القبيح لوجه قبحه، أو إسقاط الحقوق لوجهها (4) لا يستحق
Halaman 29
على ما سوى ذلك، وعلى ما به يثبت استحقاقه ثبت استحقاق الثواب بشرط حصول المشقة في الفعل والترك، أو في سببهما وما به يتوصل إليهما.
وطريق العلم باستحقاقه العقل، لثبوت إلزام المشاق التي لولا ما في مقابلتها من الاستحقاق لم يحسن إلزامها، ولا كان له وجه (1) فبوجوهها تعين اللطف فيها، وبما يقابلها من الاستحقاق تعين فيها وجه الحكمة، ولزم احتمالها والصبر عليها.
وبدوامه السمع لحسن تحمل المشاق للمنافع المنقطعة عقلا، إذ ليس فيه ما يقتضي اشتراط دوامها، فيكون القطع على دوامه وصفاته سمعا (2) بإجماع جميع الأمة، ولا يلزم حمله على المدح، لاشتراكهما في جهة الاستحقاق، لأنهما وإن اشتركا في ذلك فقد اختلفا في غيره، ويثبت (3) أحدهما في موضع يستحيل ثبوت الآخر فيه.
وما به يستحق الذم (4) أما فعل القبيح أو الإخلال بالواجب لا يستحق بغيرهما، ومما به يثبت (5) استحقاقه ثبت استحقاق العقاب بشرط اختيار المكلف ذلك على ما فيه مصلحته.
وطريق العلم به السمع، لأن العقل وإن أجازه ولم يمتنع منه إلا أنه لا قطع به على ثبوت استحقاق، لخلوه من دلالة قطعية على ذلك، ضرورة واستدلالا،
Halaman 30
فالمرجع بإثباته قطعا إلى السمع المقطوع على صحته، وهو الإجماع والنصوص القرآنية، ولا يلزم عليه الإغراء (1) لأن تجويزه عقلا، والقطع عليه سمعا زاجر لا إغراء معه.
وإذا كان الأصل الذي (2) هو ثبوت استحقاقه لا يعلم إلا سمعا، فالفرع الذي هو دوامه وانقطاعه أولى بذلك.
وقد أجمعت الأمة (3) على دوام عقاب من مات من العصاة، كافرا، ولا إجماع على دوام عقاب من عداهم من عصاة المؤمنين، فهم على ما كانوا عليه، من ثبوت استحقاق الثواب الدائم وإن استحقوا معه بعصيانهم العقاب، لأن انقطاع عقابهم ممكن بتقديمه، ودوام ثوابهم المجمع عليه مانع من انقطاعه، لإمكان حصوله معاقبا للاستيفاء منهم، ولا مانع من ذلك كما لا مانع من استحقاقهم المدح في حالهم فيها مستحقون الذم، لوجوب مدحهم بإيمانهم وذمهم بفسقهم، وما تعذر ذلك من فاعل واحد إلا لفقد الآلة لا لفقد (4) الاستحقاق، فإنه لو كان له لسانان لمدح بأحدهما وذم بالآخر، ولو مدح بلسانه وذم بما يكتب بيده وبالعكس من ذلك لصح (5)، وكان جامعا بينهما في حال واحدة، فكما لا تنافي بين ثبوت استحقاقهما إلا على أمر واحد بل على أمرين مختلفين، فكذلك لا تنافي أيضا بين ثبوت استحقاق ما يتبعهما من ثواب وعقاب، وكما أجمعت الأمة على دوام
Halaman 31
عقاب الكفار، أجمعوا أيضا عدا الوعيدية (1) على انقطاع عقاب من وصفنا حالهم.
ولاستحالة الجمع بين دائمي الثواب والعقاب، وجب كون المنقطع متقدما على الدائم الذي يحصل بدلا منه ومعاقبا له.
الكلام في الإحباط وبطلانه وقد ثبت بما ذكرناه أن المستحق من الثواب لا ينفيه شئ ولا يسقطه مسقط، لأن إسقاطه منافي للحكمة (2) لكونه مستحقا على الله لا على غيره، فتقدير سقوطه بعد ثبوته مناف لحكمته تعالى.
وإذا صح ذلك بطل التحابط بين الطاعات والمعاصي، وبين المستحق عليهما. ويبطله أيضا أنه لا تنافي بين ذلك، لكونه متجانسا، فإن جنس ما يقع طاعة أو معصية واحد لا تضاد فيه ولا اختلاف بينهما إلا بالوجوه التي يقع عليها وهي تابعة لاختيار الفاعل وقصده، بل مما يصح تعريها منها. فإن دخول الدار بإذن صاحبها كدخولها بغير إذنه، وأحد الدخولين (3) طاعة والآخر معصية، وجنسهما واحد لا اختلاف فيه إلا بالوجه الواقع عليه، وكذلك، جنس ما يقع ثوابا أو عقابا واحد، لا مضادة فيه ولا انفصال بينهما (4) إلا بالشهوة لأحدهما والنفار من الآخر، فإن جنس الألم واللذة واحد. وإدراكهما بطريق واحد، ولا افتراق بينهما
Halaman 32