418

فتفكر في هذا الجنس وامثاله فإنه لا يدعوك إلى الملال وحب إلاستراحة من عبادة ربك إلا حب الدنيا وطلب راحتها ونعيمها، وهذا الجنس يصغر عندك الدنيا ويقلل عندك عملك، ويقصر أملك فإنك لو قدرت أنك بلغت مبالغ من ذكرنا من الملوك فما أسرع زوال ذلك من يديك، وما أكثر جرمه عليك، فسارع إلى الخيرات وبادر إلى الأعمال الصالحات، واكتف من الدنيا بما اتفق لك من غير تكلف لما يشغلك عن ربك فكل شئ يشغلك عن ربك فهو عليك مشوم ؛ لا نك تعلم أن العادة جارىة من العقلاء أنهم يبذلون النفوس والأموال في القرب من ملك البلد رجاء أن يدخلهم في جملة خدمه، ويتشرفون بذلك ويرون لهم الحظ مع تجويزهم أنه لا يدخلهم في جملة خواصه، ومع تجويزهم أنه لو أدخلهم فإنه ربما أخرجهم من ذلك وصغر بهم من غير جرم، فكيف لا تحب أن تدخل في جملة خدم ما لك الملوك الذي قد علمت أنه يستدعيك إلى القرب منه لأنهينعم عليك بأعظم النعم، وقد علمت أنه لا يظلم ولا يعذب من غير جرم، ويسامح فيما يقع من الزلات والعثرات، وينعم عليك في حال معصيتك له فاجعل الآنس به بدلا عن الآنس بالدنيا وزهرتها وفضولها ورياشها، فتكون من الفائزين والمنعمين عند لقائك لرب العالمين.

قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم )ص: إن لله خواص من خلقه يسكنهم الرفيع من الجنان كانوا أعقل الناس) قيل: يا رسول الله وكيف كانوا أعقل الناس ؟ قال: كان نهمتهم المسابقة إلى ربهم والمسارعة إلى ما يرضىه، وزهدوا في الدنيا وفضولها ورياشها ونعيمها فهانت عليهم فصبروا قليلا واستراحوا طويلا).

فخذ في هذا الجنس من الفكر فإن فترت أعضاؤك من العبادة بالصلاة قائما فصل قاعدا فإن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم، فإذا عجزت أن تكون في درجات السابقين فلا تدع أن تكون في درجات أصحاب اليمين فتنزل إلى درجات الهالكين.

Halaman 426