Iqaz Uli Himam
إيقاظ أولي الهمم العالية إلى اغتنام الأيام الخالية
فقال له: هلا أتيت إلينا بحدثان وقوع الأمر فكنا نستظهر على الحيلة، فهل هديت إلى الناحية التي أخذ الطائر إليها؟ قال: مر مشرقا على سمعت هذا الجبل الذي يلي قصرك -يعني الرملة- فدعا المنصور شرطيه الخاص به، فقال له: جئني بمشيخة أهل الرملة الساعة.
فمضى وجاء بهم سريعا، فأمرهم بالبحث عن من غير حال الإقلال منهم سريعا، وانتقل عن الإضافة دون تدريج، فتناظروا في ذلك، ثم قالوا: يا مولانا، ما نعلم إلا رجلا من ضعفائنا كان يعمل هو وأولاده بأيديهم ويتناولون السبق بأقدامهم عجزا عن شراء دابة، فابتاع اليوم دابة، واكتسى هو وولده كسوة متوسطة، فأمر بإحضاره من الغد، وأمر التاجر بالغدو إلى الباب.
فحضر الرجل بعينه بين يدي المنصور، فاستدناه والتاجر حاضر، وقال له: سبب ضاع منا وسقط إليك ما فعلت به؟ قال: هو ذا يا مولاي، وضرب بيده إلى حجزة سراويله فأخرج الصرة بعينها.
فصاح التاجر طربا وكاد يطير فرحا، فقال له المنصور: صف لي حديثها، فقال: بينما أنا أعمل في جناني تحت نخلة إذ سقطت أمامي فأخذتها وراقني منظرها، فقلت: إن الطائر اختلسها من قصرك لقرب الجوار، فاحترزت بها ودعتني فاقتي إلى أخذ عشرة مثاقيل عيونا كانت معها مصرورة، وقلت: أقل ما يكون في كرم مولاي أن يسمح لي بها.
فأعجب المنصور ما كان منه، وقال للتاجر: خذ صرتك وانظرها واصدقني عن عددها، ففعل، وقال: ما ضاع منها شيء سوى الدنانير التي ذكرها وقد وهبتها له، فقال له المنصور: نحن أولى بذلك منك، ولا ننغص عليك فرحك، ولولا جمعه بين الإصرار والإقرار لكان ثوابه موفورا عليه، ثم أمر للتاجر بعشرة دنانير عوضا عن دنانيره، وللجنان بعشرة دنانير ثوابا لتأنيه عن فساد ما وقع بيده.
وقال: لو بدأنا بالاعتراف قبل البحث لأوسعناه جزاء، قال: فأخذ التاجر في الثناء على المنصور وقد عاوده نشاطه.
Halaman 245