لكانت براءةُ الرسول منهم براءةً من خلق أعمالِهم، وذلك جهل ممن صار
إليه، ولو كانت براءةُ اللهِ من المشركين براءةً من خلقِ أعمالِهم لكانت أيضا
براءةً من خلق ذواتهم، لأنّ البراءةَ براءبلا منهم دون شركِهم، لأن اللهَ سبحانَه لم يعرض لذكره، وإنَّما ذكرهم بأعيانِهم، ولو كانت براءَته من المشركين براءةً من خلقِ أعمالِهم لكانت ولايتُه للمؤمنين وقولُه: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)، توليا لخلقِ أعمالَهم وإيجادِ طاعاتهم، ولما لم يجب
ذلك بطل ما قالوه.
فأما قولُه تعالى: (مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ)، فإنه أيضًا لا معارضةَ بينَه وبينَ إخباره عن خلقٍ كثيرٍ منهم ومعاصيهم المتفاوتة
القبيحة، وتوليه لإضلالِهم والختمِ والطبعِ على قلوبهم، لأنه إنما عنى بخلقِ
الرحمنِ في هذه الآية السماء، يدلُ على ذلك أنه ابتدأ وقال: (خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ)، يعني في السماء، ثم
قال: (فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ)، يعني هل ترى في السماوات
من صدوعٍ وشوقٍ وخللٍ وقد علم أن الكفرَ لا يرجع البصرُ فيه وإليه، ولا
يجوزُ أن يكونَ فيه فطور وشقوق، فثبت أنّه إنما نفى التفاوتَ عن السماواتِ
من المخلوقات، ولم يعرض في هذه الآية لذكر المعاصي وغيرها من أفعال
العباد فبانَ بذلك سقوطُ ما ظنّه الملحدة والقدرية.
ويمكن أيضا أن يكون إنما نفى التفاوتَ عن جميع ما خلقَ من حيثُ لم
يقع شيء منه وغيره متفاوتًا على إرادته، وبخلاف ما قَصده، ولا قَصدَ أن
يكون شيئًا منه قبيحًا فوقعَ حسنًا، وحسنًا فوقع قبيحًا بخلافِ القَصدِ بالكفر، وإن كان متفاوتًا على مكتسبه من حيثُ قَصدَ كونَه حسنا دينًا فوقع قبيحا
فاسدًا، فإنه غيرُ متفاوتٍ على الله لأنه منافي خلقهِ على ما قَصدَه وأراده
2 / 670
المقدمة
تمهيد
(باب) (القول في بيان حكم بسم الله الرحمن الرحيم والناس والفلق، ودعاء القنوت وترتيب سور القرآن ونظم آياته وعددها والقول في أول ما أنزل منه وآخره)
(باب) الكلام في بيان الحكم في أول ما نزل من القرآن وآخره ومكيه ومدنيه، وهل نص الرسول ﵇ على ذلك أم لا
(باب) القوله في ببان حكم كلام القنوت، وما روي عن أبي من الخلاف في ذلك
(باب) القول في ترتيب سور القرآن وهل وقع ذلك منهم عن توقيف أو اجتهاد
(باب) الكشف عن وجوب ترتيب آيات السور وأن ذلك إنما حصل بالنص والتوقيف دون الاجتهاد
(باب) الكلام في المعوذتين والكشف عن ظهور نقلهما وقيام الحجة بهما، وإبطال ما يدعونه من إنكار عبد الله بن مسعود لكونهما قرآنا منزلا
الجزء الثاني
(باب) تعلقهم بالشواذ والزوائد المروية عن السلف رواية الآحاد، وبيان فساد تعلقهم بذلك
باب ذكر مطاعنهم في صحة القرآن ونظمه من جهة اللغة ووصف شبه لهم تجمع ضروبا من مطاعنهم على التنزيل والكشف عن إبطالها
(باب) الكلام في معنى التكرار وفوائده ونقض ما يتعلقون به فيه