٧٠ - فصل
ومن الأدلة المذكورة في الرسالة لنا قوله تعالى: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (^١)، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (^٢)، وعند القدرية أن الله جعل النور لجميع المكلفين فهذا رد نهم لخبر الله سبحانه.
فأجاب المخالف عن هذا وقال: قد سمى الله القرآن نورًا والإسلام نورًا والثواب في الآخرة نورًا، ولا شك أن بعض ذلك يخص المؤمنين وبعضه يعم المكلفين كنور القرآن والرسالة، وذلك متوجه إلى المكلفين، فمن قبله نفع نفسه ومن حاول إطفاء نور الله فالله متم نوره.
والجواب: أن هذا تسليم من هذا المخالف لما أردنا أن الله سبحانه خص المؤمن بشيء من النور المذكور في القرآن، وهو النور في قلبه بمعرفة الله، لأن أصل النور هو الشيء الذي يبين الأشياء، فالله سبحانه نور. قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالآرْض﴾ (^٣).
(^١) النور آية (٣٥).
(^٢) النور آية (٤٠).
(^٣) النور آية (٣٥)، وفي هذه الآية إثبات صفة النور لله ﷿، ودل على هذا أيضا قوله ﷿: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾، قال ابن جير ﵀ عند هذه الآية: "فأضاءت الأرض بنور ربها يقال أشرقت الشمس، إذا صفت وأضاءت، وأشرقت إذا طلعت، وذلك حين يبرز الرحمن لفصل القضاء بين خلقه". وروى بسنده عن قتادة أنه قال في هذه الآية: "فما يتضارون في نوره إلا كما يتضارون في الشمس في اليوم الصحو الذي لا دخن فيه" تفسير ابن جرير ٢٤/ ٢٢.
وروى ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه إذا قام من الليل يتهجد قال: "اللهم لك الحمد أنت قيم السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد لك ملك السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد نور السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد لك ملك السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد نور السموات والأرض ولك الحمد .. " الحديث، خ. كتاب التهجد ٢/ ٤٣ واللفظ له، م. صلاة المسافرين ١/ ٥٣٤.
وروى مسلم عن أبي ذر ﵁ أنه سأل رسول الله ﷺ فقال: هل رأيت ربك؟ فقال ﷺ: "نور أنى أراه"، وفي رواية أخرى قال: "رأيت نورا، م. الإيمان ١/ ١٦١، كما روي أيضا عن أبي موسى ﵁ أن النبي ﷺ قال: "حجابه النور - أو النار- لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه"، م. الإيمان ١/ ١٦٢.
قال النووي في شرح مسلم في هذا الحديث: "السبحات بضم السين والباء ورفع التاء في آخره وهي جمع سبحة. قال صاحب العين والهروي وجميع الشارحين للحديث من اللغويين والمحدثين: معنى سبحات وجهه نوره وجلاله وبهاؤه". شرح مسلم ١/ ١٤، وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله ﷿ خلق خلقه في ظلمة فألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل، فكذلك أقول جف القلم على علم الله" أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٢/ ١٧٦، ت. الإيمان ٥/ ٢٦، وقال: "حديث حسنط. وروى الترمذي ٥/ ٣٥٩ عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: "رأى محمد ربه، قلت: أليس الله يقول: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَار﴾ قال: ويحك ذاك إذا تجلى بنوره الذي هو نوره) وروى ابن جير بسنده عن أبي بن كعب ﵁ في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ قال: "فبدأ بنور نفسه فذكره، ثم ذكر نور المؤمن، فقال: مثل نور من آمن به" وقد صحح هذا الإسناد الحاكم ووافقه الذهبي حيث ذكر تفسير الآيات التي بعد الآية هذه عن أبي بن كعب ﵁. انظر في ذلك: تفسير ابن جرير ١٨/ ١٣٥، تفسير ابن كثير ٣/ ٢٩٠، المستدرك للحاكم ٢/ ٣٩٩. وذكر ابن كثير في تفسيره ٣/ ٢٩٠، عن السدي أنه قال في الآية: فبنوره أضاءت السموات والأرض.
قال: ابن القيم ﵀: "إن النور صفة كمال وضده صفة النقص، لهذا سمى الله نفسه نورا وسمى كتابه نورا وجعل لأوليائه النور ولأعدائه الظلمة". انظر: مختصر الصواعق المرسلة ص ٣٠٢، وقد أثبت اين القيم ﵀ في هذا الكتاب هذه الصفة لله ورد على المخالفين من ص ١٨٨ - ٢٠٥.