Ihtiras
الاحتراس عن نار النبراس المجلد الأول
قال: ثم نقول أنه وإن كان واجبا نظرا إلى العلم لكنه ممكن في نفسه، فكان مقدورا، أو لأن العلم بالوقوع ممتنع للوقوع الذي هو تبع القدرة [484]والمتأخر لا يبطل المتقدم. انتهى . ومنه يزداد ظهورا بطلان قول المعترض فهو واجب الصدور إلى قوله ومن المعلوم المسلم عندنا وعندكم أنه لاقدرة على الواجب ...إلخ، ومما يزيد بطلانه ظهورا أنه قد تقرر عندنا وعندهم وعند جميع العقلاء من الفلاسفة وغيرهم أن العلل الغائية والأعراض المقصودة لايتصور في الأفعال الصادرة بالإيجاب كما مر، ومن المختار تحري فيها العلل الغائية والأعراض المقصودة وذلك ينافي أن تكون صادرة بطريق الإيجاب، وهذا ليس مما غفل عنه الرازي في ظني؛ لكن كان كلامه في أفعال الله تعالى وهي عندهم غير معللة بالأغراض، هذا والحكاية عن عباد فيها نظر ليس هذا موضع ذكره وبسطه، والمراد هنا أن الرازي معترف ببطلان شبهة العلم بل قائل بما موداه أن التمسك بها ضلالة لجريها في أفعال الله تعالى، وأما هذا الذي زعم ذكاءه فلأنه لو علم أن العلم تابع للمعلوم لا محل عنه هذا الخيال الموهوم، وأما الداعي فلأنه لايدور عليه الفعل وجودا ولا عدما ضرورة أنه قد يحصل لمن يقدر على الفعل فلا يفعله، وقد يحصل الفعل يغير ........على ما يراه البعض في أفعال الساهي والنائم، وإنما غفل الرازي عن هذا الواضح لتوهمه أن الداعي واسطة موجبة أخذا مما فهمه من كلام أبي الحسين البصري، ولم يعلم مراد أبي الحسين بوجوب الفعل عند حصول الداعي، وسيجيئ توضيحه في موضع يليق به إن شاء الله تعالى وقد اعترف ابن الحاجب وغيره بمثل ما وقع فيه الرازي، ثم أنهم وقعوا في مناقضة ما توهموه، ولنورد هنا شيئا من ذلك فنقول: مما تمسكوا به في إبطال كون العبد قادرا مختارا في الأفعال وثبوت كونه مجبورا مقسورا أنهم قالوا: ما معناه لو كان العبد متمكنا من شيء من أفعاله لكان متمكنا من حركة يده إلى جهة اليمين بدلا من حركتها إلى جهة الشمال؛ لكن اللازم باطل، فالملزوم مثله، أما الملازمة فظاهرة بذاتها، وأما بطلان اللازم فلأنه لو كان متمكنا من الحركة المذكورة فلا يخلوا إما أن يكون إيجاده لها أي الحركة المذكورة مثلا بمرجح لا محالة، وحينئذ فإما أن يجب إيجاده لهاعند المرجح أولا لا سبيل إلى الثاني؛ لأنه إذا لم يجب جاز تراخيه بعد المرجح بالضرورة، فيكون وقوعه بعد هذا التراخي يغير مرجح إذ الأوقات مستوية فلا وقت أولى من وقت بوقوعه فيه وهذا محال كما مر، فبقى الأول وهو أنه يجب إيجاده لها عند المرجح، فإن كفى هذا الوجوب في رفع الإختيار والتمكن فقد تم المطلوب، وإلا نقلنا الكلام إلى هذا المرجح الذي وجب عنده الإيجاد للحركة المذكورة، فإما أن يكون من فعل الله أو من فعل العبد لاسبيل إلى الثاني؛ لأنا ننقل الكلام إلى من حجة، ثم إلى مرجح إلى أن يدور أو يسلسل، وكلاهما محال، فلزم الأول [485]وهو أنه من فعل الله تعالى، وقد فرضناه أي المرجح موجبا فيلزم أن العبد لايكون متمكنا من الحركة المذكورة وهو المطلوب في بيان بطلان اللازم، وهذا هو تقرير ما زغموه في هذه الشبهة وهي عندهم أقوى ما يتمسكون به، ومع ذلك قد اعترف بن الحاجب بفسادها من حيث أنها تستلزم القدح في المعلوم لنا بالضرورة من الفرق بين المتمكن المختار وبين المضطر فلا يبقى فرق بين حركة المرتعش مثلا وبين حركة المختار للحركة، وكلما استلزم قد جاء في المعلوم بالضرورة كان باطلا كشبه أهل السفسطة والقادحين في البديهيات، ثم أنها لو تمت لاستلزمت انتفاء التمكن في حق الباري تعالى، وذلك باطل قطعا وإجماعا بين المتكلمين هذاونحن نجيب عنها بجواب آخر غير ما اعترفوا به فنقول: لانسلم بطلان اللازم المذكور في كلامكم قولكم لا يخلق إما أن يكون إيجاده لها بمرجح أولا ...إلخ.
قلنا: لنا أن نختار الثاني أي أنه لامرجح وأنتم قد سلمتم ذلك في مقاولتكم مع الفلاسفة حتى صرح الإمام الفخر الرازي بأنانعلم بالضرورة أن الفاعل لايحتاج إلى المرجح في أيجاده لأحد المتساويين، ولنا أن نختار الأول أي أنه بمرجح قولكم إما أن يجب إيجاده لهاعند المرجح أولا.
Halaman 1028