810

وأما ثانيا: فلأنه على فرض تحققه لايفارثق الإتحاد والتحصيل الواقع من الله تعالى، فلا يكون العبد كاسبا للفعل حتى يكون الله تعالى جاعلا له، فيلزم من تضليل الكسب تضليل الجعل المستند إلى الله، فيكون قوله تعالى ألم يجعل كيدهم في تضليل دالا على أنه تعالى جعل جعله وفعله في تضليل، فانظر يا أخا الأكراد ما هذه اللوازم والأباطيل، وكيف خفيت عليك مع ظهورها، وظهر لك الكسب مع خفائه على كل لبيب نبيل؛ لكن قد قال تعالى: {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} ونعوذ بالله من الخذلان، ونسأله اللطف والتوفيق، فمن حظى به فقد حظى بتجارة لن تبور، وأما أنت بعت الأختيار الذي هو شمس النهار بالكسب الذي هو ظلمة بين يديك، {إذا بعثر ما في القبور} وما أشبه حالكم بحال سلم الخاسر الذي باع المصحف بالطنبور، أو خزاعة الذين باعوا مفتاح الكعبة برق خمر من أقبح الخمور، أما ألتفت أدنى التفات إلى بعض الآيات؟ أما نظرت إلى موضع من مواضع هذا الذي أضعته وحفظت ضده؟ هيهات هيهات أين أنت عما في جمل القرآن وتفاصيله، ما أنت إلا من الذين يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، ولنعرض بشيء مما في هذه الجملة.

أما قوله: فمن أمانيه الفارغة وتخيلاته الزايغة وأنت قد عرفت أنه مبني على تلك المراوغة.

ثم نقول: لو كانت أعمالهم وقبائحهم مخلوقة لله تعالى كما اقترفتموه يا أخا الأكراد لكانت حسنة لقوله تعالى: {الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق..} الآية. وعلى هذا فالأصنام بأشكالها مما خلقه الله تعالى وجعله حسنا، وكذلك عبادتهم لها، وكفى بهذا شناعة ومناقضة لمثل قوله تعالى: {إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون} وهل ما وصفه تعالى بأنه باطل يكون حسنا؟

Halaman 912