677

وأما على تقدير أن المؤثر في أفعالهم هو الله تعالى فلا تعب عليهم، ولا مشقة وللملحد أن يقول أن هذه المشقة غير واقعة أصلا؛ لأنه هو المؤثر في أفعالهم، وأقوالهم، وبحثهم وطلبهم وغير ذلك فلا فائدة للمتشابة حينئذ، وإذا قال الملحد بهذا فالأشعري بين اثنتين إما أن يعترف بأن مذهب المعتزلة مذهب العلماء كما اعترف الرازي بأن الجواب جواب العلماء، أو أن ينقطع، فإن اعترف بالأول فهو الأولى، ويلزمه الاعتراف بالحسن والقبح عقلا، وإن كابر وأنكر وتولى إلى مذهبه واستكبر فكفاه عجزه عن بيان كون القرآن تنزيلا من حكيم حميد، فقال: لما يريد [354] لا تثبت الحكم الذي تدعيه الأشاعرة أصلا فضلا عن وصفه لما عرفت من نفيهم في الكلام النفسي، وليس الحكم الشرع إلا إياه عند الأشاعرة فأين هو من الحكم الذي تقول به المعتزلة وتثبت كونه عقليا أي مما تدركه العقول، إما باستقلالها، أو باعلام الشارع وإيقاضها من سنة الغفلة، وأكثر مواضع النزاع بين الأشاعرة والمعتزلة هكذا لا تكاد تتخلص إلا لمن تفحص، ومن ذلك خلافهم في القدرة الحادث فأن القدرة التي تقول الأشاعرة بمقارنتها للمقدور عدم تأثيرها فيه غير القدرة الحقيقية التي تقول المعتزلة بتقدمها عليه وتأثيرها فيه إذ هذه هي القدرة، وتلك ليس لها إلا اسم القدرة، بل هي مجرد اصطلاح فقط كما عرفت، فلم يتوارد القولان على محل واحد، ومن ذلك الكلام فإنما تدعيه الأشاعرة ومن يحذوا حذوهم من الكلام النفسي ليس بحث المعتزلة بصدده وغير ذلك كثير، وسنشير إلى ما لاحت الإشارة إليه في مواضعه إن شاء الله تعالى، لكن بقى شيء يحسن هنا إيراده لينبه اللببيب المنصف على فاسد مذهبهم في نفي الحسن والقبح، وهو: أن الملحدة أقمأهم الله لما طعنوا في القرآن تشبثوا بما فيه من الدلالة على المتناقضات، وقالوا: لو كان من لدى حكيم عليم لما كان كذلك، وأنتم أيها الجمهور من المسلمين تقولون: أن تكاليف الخلق قاطبة مرتبطة بهذا القرآن إلى قيام الساعة، ثم إنا نراه بحيث يتمسك به أهل كل مذهب ويستدلون على مذهبهم، فالجبري يتمسكوا بآيات الجبر كقوله تعالى: {إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا}، والمعتزلي يقول: هذا مذهب الكفار بدليل أنه تعالى حكى ذلك عنهم في معرض الذم لهم في قوله: {وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر}، وفي موضع آخر: {وقالوا قلوبنا غلف}، وذمهم أيضا في مثل قولهم: {لو شاء الله ما أشركنا}، {لو شاء الرحمن ما عبدناهم}، ومنكر، وإذا بلغ بنا سبق القلم إلى هذه الغاية فلنقبض عنانه، ومن الله التوفيق والهداية.

Halaman 760