618

قلت: مزيد توضيح ما ذكره السيد يؤخذ مما ذكره الكاتبي في شرح المحصل حيث قال: توجيهه أن يقال لما قلتم أن العقل لو كان غرضا وليس من قبيل العلوم لجواز انفكاك أحدهما عن الآخر، فإن الجوهر والغرض متلازمان مع تغايرهما، سلمنا صحة الملازمة، لكن لا نسلم انتفا التالي وهو امتناع الانفكاك فإن العقل قد ينفك عن العلم كما في النائم، فإنه عاقل، ولا يدرك شيئا، واليقضان الذي لا يكون مستحضرا لشيء في وجوب الواجبات واستحالات المستحيلات فإنه عاقل، وليس بعالم العلم الذي فسرتم العقل به إلى هنا كلامه الكاتبي، ثم قال: أجاب الأصحاب عن المنع اللأخير بأن لا نسلم كون النائم واليقضان الذي هنا شأنه عاقلا، وعندنا لا يجوز تكليفهما أصلا لانتفا شرط التكليف في حقهما، انتهى، وبه وبما قبله ظهر خبط المعترض في قوله: أن استدلال المؤلف لا يثبت إلا العقل بمعنى العلم لا العقل بمعنى الغريزة، وتبين منشأ إعتسافه؛ لأن المؤلف قدس الله روحه رتب حكمه بأنه يزول العقل عند النوم على كونه غرضا وعلى هذا فلا يقتضي كلامه رحمه الله تعالى اثبات العقل بمعنى العلم خاصة دون الغريزة؛ لأن الغريزة من الاغراض كما مر، فمن أين ظهر للمعترض أن استدلاله رحمه الله تعالى لا يثبت إلا العقل بمعنى العلم، لا العقل بمعنى الغريزة، ما هذا إلا خبط لا داعي إليه إلا حب الاعتراض منه على المؤلف قدس الله روحه في الجنة على أن هذا منه دعوى لتغايرهما أي العلم والعقل بمعنى الغريزة، وحينئذ فبطلان دعواه أن استدلال المؤلف لا يثبت العقل بمعنى العلم ظاهر؛ لأن مبناها كان على أن الذي يزول عند النوم ليس إلا العلم فقط، وذلك مبني على فساد الملازمة المذكورة في دليل الأشعري، وإلا فما المانع من الحكم بزوال العلم والعقل معا حال النوم وعدم انفكاك أحدهما عن الآخر في الانتفاء لثبوت دعوى كونه -أي العقل- غريزة يتبعها العلم... إلخ لا يجدي نفعا لدفع هذا لما عرفت من أن الغرائز من الكيفيات الغرضية على فرض تغايرهما، بل فكلام المعترض ما هو أشد من دعوى فساد الملازمة المذكورة، وذلك لأنه يؤدي إلى انفكاك العلم عن العقل مع تغايرهما واجب فضلا من كونه جائزا ولو لم يكن مؤدى كلام المعترض هو هذا لما صاغ له أن يدعي أن استدلال المؤلف يثبت إلا العقل بمعنى العلم فليتأمل، فإنه قد انقلب على المعترض ما مأخذ كلامه، ثم ما ذكره الكاتبي عن أصحابهم في الجواب عن المنع المذكور كاف في الرد على المعترض من قبل المؤلف وكفى الله المؤمنين القتال.

قوله: والعالم يزول عقله صوابه، والنائم لم يزل عقله، وإلا لناقضه قوله، وإن لم يكن عالما... إلخ، إلا أنه قد يكون فرطا من الكاتب، ثم رأيت نسخة في الهند كما صوبناه فلعل ذلك كان غلط من الكاتب لا من المعترض، والله اعلم، وهاهنا جملة من المذاهب في العقل، وقد عرفت بعضها، قال بعضهم: الأقوال في العقل إحدى عشر قولا؛ لأنهم اختلفوا هل له حقيقة تدرك أو لا، وعلى أن له حقيقة [323] هل هو جوهر أو غرض، وهل محله الرأس والقلب، وهل العقول متخذة الماهية أو لا، وهل هو اسم جنس أو جنس، أو نوع فهي إحدى عشر قولا.

قلت: ولا قول بجوهريته إلا ما عرفت من أنه النفس الناطقة على أنها جوهر وإلا ما أشتهر عن المطرفية من أنه القلب أي العضو الصنوبري المعروف.

وأما القائل بغرضيته فقد يعكر عليه أمران:

Halaman 690