Ihtiras
الاحتراس عن نار النبراس المجلد الأول
وأما ما يقال: من أن هذين الحديثين غير سالمين من الطعن ولا مسلمين عند البعض فليس بشيء لأنهما على ما بهما يكفيان من سند المنع ولو سلمنا بطلانهما لم يقدح ذلك في المنع كما عرف في أدب المناظرة من أن السند ملزوم للمنع ولا يلزمم من بطلان الملزوم بطلان اللازم، ثم على تسليم ما قاله المعترض نقول: كذلك العقل بمعنى العلم لا اختصاص له بزمان النوم إذ هو كما قال المعترض تبعا لغيره من مقولة الكيف، والكيف غرض من تلك المقولات التسع، وكل غرض لا يبقى عند الأشعري وغيره ممن يقول بعدم بقاء الأعراض [307] كأبي القاسم الكعبي من المعتزلة، والخطيب والد الإمام الرازي وغيرهما نظرا إلى أن البقا غرض فلو بقيت الأعراض لزم قيام الغرض وهو ممنوع عند المتكلمين أجمعين إلا من قال بمقالة الفلاسفة في معنى القيام وأنه ليس عبارة عن الحلول والتبعية في التحيز، وإنما هو عبارة عن الاختصاص الناعتي أي اختصاص الناعت بالمنعوت كما نبهنا عليه فيما مر وله تمام سيأتي قريبا، وقد صرح الأشعري بأن أي العقل هو العلم ببعض الضروريات والعلوم بل الكيفيات النفسانية، ولهذا استشكل سعد الدين في بحث الإيمان اشكالا وهو أنهم فسروا الإيمان بالتصديق وهو أحد قسمي العلم وهو من الكيفيات النفسانية، وكلما كان كذلك كان مما لا اختيار فيه، فكيف يكون التكليف بما لا اختيار فيه، ثم أجاب بأنه يعد اختياريا نظرا إلى مباشرة الأسباب أو إلى أن نسبة الصدق إلى المخبر بالاختيار، ويكون هذا فرقا بين العلم والمعرفة لأنها قد لا تكون عن مباشرة أسباب اختيارية، انتهى وهو جواب لا يشقي في قلع عرق الاشكال، ولذا جعل الإمام الرازي قوله تعالى: {فاعلم أنه لا إله إلا الله} دليلا على تكليف ما لايطاق بزعمه، فانظر إلى أين بلغ حال القوم.
فإن قلت: هذا لازم للجاحظ وأهل المعارف من المعتزلة أعني أنه يلزمهم تكليف ما لا يطاق.
قلت: لا يلزمهم ذلك؛ لأنهم ما جعلوا الإيمان عبارة عن مجرد التصديق بل قالوا: أنه مركب من الإقرار اللساني والتصديق الجناني، والعمل الاركاني
فإن قلت: سملنا أنه لا يلزمهم تكليف ما لا يطاق بالنظر إلى الإيمان لكنه لازم لهم بالنظر إلى هذه الآية -أي قوله تعالى: {فاعلم أنه لا إله إلا الله...} الآية-
Halaman 658