Ihtiras
الاحتراس عن نار النبراس المجلد الأول
لا يقال: سيأتي للمؤلف ما يقتضي ثبوت العلم حيث قال في فصل الإرادة: إدراكه بعلمه لأنا نقول: سيأتي للمؤلف ليس المراد منه ما يتبادر إلى بعض الأفهام من اثبات العلم بالمعنى الذي تقول به الأشاعرة ونحوهم، وإنما المراد أن الإدراك منه تعالى بأن يعلم فالمصدر في موقع أن والفعل كما يقع أن والفعل موقعه، ولهذا لا يطرد إبدال أحدهما بالآخر وإنما احتاج المؤلف إلى ذلك؛ لأن الإدراك عند كثير من العدلية والأشاعرة يقال على ما هو بالعلم وعلى ما هو بالسمع وعلى ما هو بالبصر وهو غرض مستقل في الشاهد عند جماعة من الأشاعرة وبعض ا لعدلية وعند الأكثر من العدلية ليس بغرض، فلما كان الإدراك يطلق على هذه المعاني عند بعض الأشاعرة أو جميعهم وبعض العدلية احتاج المؤلف إلى تقييده بالعلم كيلا يتبادر منه معنى آخر لا يجوز اطلاقه عليه تعالى، ولم يعرج المؤلف على الاحتراز عما سوى ذلك لعلمه بأن نفي العلم بالمعنى الذي يثبته الخصوم غني عن البيان.
فإن قيل: وما وجه زيادة المؤلف للفظ الإدراك حتى احتاج إلى ما ذكرت وهلا تركه وهو في غنى عنه؟
قلت: لعله زاده لما حسبه فيه من معنى التأكيد لاحاطة علم الله تعالى بالمعلوم أوله وأواخره فإن الدرك بتحريك الراء وتسكينها أيضا قعر الشيء كما في القاموس، ولهذا زعم بعص الأشاعرة أن قوله تعالى: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} مما لا حاججة فيه على نفي الرؤية؛ لأن الآية لم تتعرض إلا لنفي الإدراك الذي هو الاحاطة بالمدرك من كل جهة وهو ليس من محل النزاع كما سيجيء إن شاء الله تعالى، والحق أن الإدراك يقال بمجرد اتصال الشيء بالشيء ولحوقه له ولا دخول لمعنى الاحاطة فيه، وإنما أخذ ذلك البعض من قوله تعالى: {إنا لمدركون} أي محاط بنا وهو مأخذ ضعيف جدا كما يأيي إن شاء الله تعالى، ورحم الله الزمخشري ما أبعد عبارته عن مظان الريبة، ألا تراه كيف عدل عن الايتان بلفظ العلم في العبارة التي نقلناها عنه في تفسير قوله تعالى: {يخادعون الله...} الآية حيث قال: وأن لذاته تعلقا بكل معلوم...إلخ.
فإن قلت: فما الذي قالت البعلوية والبهشمية بزيادته.
Halaman 622