1113

قلت: قد سبقت الإشارة منا إلى أنهم ضلوا من حيث ضلت الجبرية فظنوا أن القدر ينافي الاختيار فرأوا أن نفيه أهون من نفي الاختيار الذي قضت به قضايا العقول فلزمهم أن سبق العلم مناف للاختيار كما تشبثت الجبرية بذلك فلزمهم نفي الاختيار في حق القادر المختار تعالى لسبق علمه تعالى بأفعاله جميعها ووقعوا في الإيجاب شاءوا أم أبوا، فإذا وضح الأمر لهم يوم القيامة وعلموا سابقية العلم بالأشياء محددة متقدةر على ما وقعت انتظموا في سلك الجبرية القائلين بشبهة العلم سواء سواء لأن ضلالهم جميعا إنما جاء من جهة العلم والتقدير فيجمعهم القول بالجبر حينئذ لأنهم أي القائلين بأن الأمر أنف إنما أثبتوا الاختيار بناء على نفي القدر أي العلم بطريق التحديد، فإذا ثبت عندهم العلم يومئذ نفوا الاختيار الذي نفوا العلم من أجله فرجعت الخصومة منهم في هذا المعنى الذي تخاصم فيه الجبرية، فافهمه على وجهه لتعلم أن القائلين بأن الأمر انف هم والجبرية من واد واحد والله الموفق في جميع المواقف إلى أسنى المقاصد.

[إيضاح كون المجبرة خصماء الرحمن وشهود الزور وجنود إبليس]

ولما وقع الحديث الثابت عند أصحابنا أن القدرية خصماء الرحمن وشهود الزور وجنود إبليس، وقد وقع أيضا في كلام علي كرم الله وجهه كما مر في بيان معنى الخصومة من المجبرة شيئا مما ذكرناه سابقا، ثم أبانوا المناسبة في تسميتهم شهود الزور وجنود إبليس.

قال صاحب الغايات [589] رحمه الله تعالى ورضي عنه: هذه الأوصاف إنما توجد في المجبرة.

أما مخاصمتهم للرحمن فإنه تعالى إذا عاتبهم على المعاصي وسألهم عنها ردوا الحجة عليه تعالى وقالوا: أنت الذي خلقت فينا العصيان وأردته منا، فإن قال ملكي أفعل فيه ما أشاء، قالوا: فما وجه عتابنا وتعنيفنا ولا حيلة لنا، وهل عتابك لنا إلا كما لو عاتبتنا على ألواننا، وحينئذ تقوم لهم الحجة وتثبت لهم الغلبة في الخصومة ويتحقق أنهم خصماء الرحمان أي بزعمهم كما يقال خاصم فلان فلانا فخصمه أي فغلبه في الحجة.

وأما كونهم شهداء الزور فلأنه إذا سأل الله تعالى الشياطين عن إغوائهم الخلق وإضلالهم إياهم قال الشياطين: بل أنت أضللتهم وأغويتهم لا نحن، فيقول الله تعالى: {هلم شهداءكم} فلا يجدون من يشهد بذلك إلا المجبرة.

Halaman 1244