650

Iktisam

الاعتصام للشاطبى موافق للمطبوع

Penerbit

دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع

Edisi

الأولى

Tahun Penerbitan

١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م

Lokasi Penerbit

المملكة العربية السعودية

فَصْلٌ
الْإِشْكَالُ الْأَوَّلُ
إِن مَا تَقَدَّمَ مِنَ الأدلة على كراهية الالتزامات التي يشق دوامها مُعَارَضٌ بِمَا دلَّ عَلَى خِلَافِهِ. فَقَدَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُومُ حَتَّى تورَّمت قَدَمَاهُ، فَيُقَالُ لَهُ: أَو لَيْسَ قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ (١) مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تأَخر؟ فَيَقُولُ: "أَفلا أَكون عَبْدًا شكورًا (٢)؟ " ويظل في (٣) الْيَوْمَ الطَّوِيلَ فِي الْحَرِّ الشَّدِيدِ صَائِمًا (٤)، وَكَانَ ﷺ يُوَاصِلُ الصِّيَامَ وَيَبِيتُ عِنْدَ رَبِّهِ يُطْعِمُهُ وَيَسْقِيهِ (٥)، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ اجْتِهَادِهِ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ. وَفِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُسوة حسنة، ونحن مأْمورون بالتأَسِّي به.
فإِن أَبيتم هَذَا الدَّلِيلَ بِسَبَبِ أَنه ﷺ كَانَ مَخْصُوصًا بِهَذِهِ الْقَضِيَّةِ، وَلِذَلِكَ كَانَ رَبُّهُ يُطْعِمُهُ وَيَسْقِيهِ، وَكَانَ يُطِيقُ مِنَ الْعَمَلِ مَا لَا تُطِيقُهُ أُمته، فَمَا قَوْلُكُمْ فِيمَا ثَبَتَ مِنْ ذَلِكَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وأَئمة الْمُسْلِمِينَ الْعَارِفِينَ بِتِلْكَ الأَدلة الَّتِي اسْتَدْلَلْتُمْ بِهَا عَلَى الْكَرَاهِيَةِ؟ حَتَّى إِن بَعْضَهُمْ قعد من رجليه (٦) من كثرة التَّنَفُّل (٧)، وصارت جبهة بعضهم كرُكْبة

(١) في (م): "غفر لك".
(٢) أخرجه البخاري (١١٣٠)، ومسلم (٢٨١٩) من حديث المغيرة بن شعبة ﵁.
(٣) قوله: "في" ليس في (خ) و(م).
(٤) أخرجه البخاري (١٩٤٥)، ومسلم (١١٢٢) من حديث أبي الدرداء ﵁ قال: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في شهر رمضان في حرّ شديد، حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة.
(٥) أخرجه البخاري (٧٢٩٩)، ومسلم (١١٠٣/ ٥٨) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁.
(٦) في (م): "رحله".
(٧) في (خ) و(م): "التبتل".

2 / 178