قعدت ولم أجب، فكأنني استفقت من حلم، وأنا أكرر في سري السؤال الذي وجهه الشاب إلي؛ لأنني ما كنت لأعرف ما أتيت أفعل لديه، وهب أن هذا الشاب مطلع على أمور تهمني، فهل هو مستعد لإعلان ما يكتم؟ لقد حمل الرسائل إلى بريجيت، فهو لا شك يعرف مرسليها، ولكن هل هو يعرف عن مضمونها أكثر مما أطلعتني بريجيت عليه؟ وصعب علي أن أستنطق مضيفي، وأصبحت أحاذر أن يرتاب فيما يمر بخاطري.
وبدأنا الحديث بالمجاملات المألوفة، فشكرته لقيامه بالمهمة التي كلفه إياها أنسباء مدام بيارسون، وقلت له: إننا عندما نبارح فرنسا سنعهد إليه أيضا ببعض المهام، ثم حكمنا الصمت كأن كلا منا لا يدري سببا لوجوده تجاه الآخر.
وأدرت لحاظي إلى ما حولي ككل حائر، فرأيت في هذه الغرفة - وهي في الدور الرابع - ما يدل على نزاهة ساكنها واجتهاده؛ إذ لم يكن فيها سوى عدد من الكتب، والآلات الموسيقية، ورسوم إطاراتها من الخشب الأبيض، وأوراق منضدة على خوان، ومقعد قديم، وبعض كراسي، غير أن جميع هذه الأدوات كانت مرتبة نظيفة يرتاح إليها النظر. ورأيت على رف الموقد رسم امرأة مسنة، وإذ تقدمت لأمعن فيها قال لي إنها أمه.
وتذكرت حينذاك أن بريجيت كانت حدثتني مرارا عن سميث، فعادت إلى مخيلتي حوادث عديدة عن حياته؛ لأنها كانت تعرفه منذ طفولته، وكانت تراه أحيانا في قرية أنسبائها، ولكنها انقطعت عن زيارة هذه القرية إلا مرة واحدة منذ تعرفت إليها، وهكذا عرفت صدفة ما عرفته عن حياة هذا الشاب الذي كان يشغل وظيفة صغيرة ليقوم بأود أمه وأخته منقطعا عن اللذات من أجلهما، وبالرغم من براعته في الموسيقى لم يقتحم المجال طلبا للنجاح في هذا الفن، بل اختار حياة السكون مفضلا خمول الذكر، منتميا بهذا إلى فئة قليل عديدها في الحياة ترى من واجبها شكر المجتمع لعدم شعوره بها، ولإغضائه عن مواهبها.
وكنت سمعت عنه أمورا تكفي لتحديد شخصيته، منها أنه كان توله بفتاة عاشرها سنة، فرضي أهلها بتزويجه منها، وكاد العقد يتم لولا أن أمه قالت له: «وأختك، من سيزوجها؟» ففهم من هذه الكلمة أنه إذا تزوج وحول جني عمله إلى عائلته، فإن أخته تبقى بلا مهر، وتحرم من الزواج، فلم يتردد في العدول عن زواجه مضحيا غرامه، هاجرا بلدته، ووجهته باريس؛ حيث وجد الوظيفة التي يشغلها الآن. عندما سمعت هذه الأقصوصة في القرية تمنيت أن أتعرف إلى بطلها؛ إذ رأيت في هذا الإخلاص من العظمة ما يربو على أمجاد أعظم انتصار في معارك الحياة.
وعندما تفرست في رسم أمه خطرت لي هذه الحادثة، فحولت أنظاري إليه وسألته عن سنه، فأدهشني إعلانه لي أنه من سني، في حين أن سيماءه كانت تدل على أنه أصغر مني، وعندما دقت الساعة الثامنة وقف وأراد أن يخطو إلى الأمام، فرأيته يتمايل مضطربا، وإذ سألته عما به قال لي: إن ساعة ذهابه إلى المكتب قد حانت، غير أنه لا يجد في نفسه القوة على السير؛ إذ إنه يشعر بنار الحمى ويتألم ألما شديدا، فقلت له: لقد كنت في عافية بالأمس عندما رأيتك في «الأوبرا»، فقال: أعتذر إليك لأنني ما عرفتك. إنني أذهب إلى الأوبرا مرارا، وأرجو أن أصادفك هنالك.
وكنت كلما أمعنت الفكر في حالة هذا الشاب، وأدرت لحاظي في غرفته، أزداد ترددا في تناول الموضوع الذي كنت أتيت لبحثه؛ إذ لم يبق في خاطري ما كان خامره من أن هذا الشاب أمكنه أن يدخل على ذهن بريجيت ما يلحق الضرر بي، بل رأيت فيه من دلائل الصراحة والجد ما أوقفني موقف الاحترام أمامه، وما لبثت أن اتخذت أفكاري مجرى آخر وأنا أتفرس في وجه رفيقي، وهو يتفرس أيضا في وجهي.
لقد كان كل منا في الواحدة والعشرين من سني حياته، ولكن الفرق كان كبيرا بيني وبينه، فهو الشاب المتعود الحياة المنتظمة، المتحرك ضمن دائرة محدودة، الذي لا يعرف من الدنيا إلا طريقه بين غرفته المنفردة ومكتبه في إحدى الوزارات، مرسلا إلى والدته نتاج الجهود التي لا تعرف قيمتها إلا اليد العاملة، فلا يشكو من ألمه إلا لأن هذا الألم يحرمه يوم عمل، ولا ينصب فكره إلا إلى تأمين الراحة لسواه منذ تحركت للعمل يداه. أما أنا فما الذي فعلته بهذا الزمن الثمين الذي مر بي سراعا؛ هذا الزمن الذي يمتص عرق المجاهدين في الحياة؟ أمن كان مثلي يعد رجلا؟ ومن عرف الحياة يا ترى: أنا أم هذا الشاب؟
إن ما أوردته هنا في صفحة مر بيننا في لحظة وأنا أحدق فيه وهو يحدق بي.
وحدثني بعد ذلك عن سفرنا وعن البلاد التي كنا ننوي زيارتها، ثم سألني عن ميعاد هذا السفر، فقلت له: إن مدام بيارسون مريضة، طريحة الفراش منذ ثلاثة أيام، فردد قولي: «ثلاثة أيام» بحركة استغراب لم يقو على ردها.
Halaman tidak diketahui