52

Ibn Hazm: His Life, Era, Views, and Jurisprudence

ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه

Penerbit

دار الفكر العربي

Lokasi Penerbit

القاهرة

الذين لا يخشون ملامة، كما قال ابن حيان هم الذين ينتابون مجلسه، ويتلقون عليه، ولم يذكر التاريخ المدة التي أقامها على تلك الحال، ولو علمناها لاستطعنا أن نعرف أي مدة تلقى عليه صغار طلبة العلم، وقد زهد في كل شيء إلا في العلم، وبرم بالناس، إلا الذين برئت نفوسهم من أغراض السلطان، وعقولهم متفتحة مشرقة تتجه إلى آفاق أوسع مما ضيق به الفقهاء على أنفسهم، وقد تم له الأمران في مثواه هذا أو في منفاه كما عبر المؤرخون، فقد انصرف إلى العلم بكليته، ولم تشغل لجاجة المجادلين ضيق الأفق وقته، وكان الشباب يقطعون البادية إليه ليتلقوا عليه، فما كان يجيء إليه إلا من يطلب ورده، ويصغي إليه بقلبه وسمعه، وطائفة معدودة من هؤلاء أعز نفراً، وإن كانوا أقل عدداً فإن الاعتبار في نشر العلم والفكر وتلقيح العقول بالأفكار الناضجة المستقيمة هو بقبول من يتلقون لا بعددهم، فإن عشرة يتلقون علم العالم كما ينبغي أن يكون التلقي بحيث تشرب قلوبهم حبه، وينالون ورداً صافياً، ومنهلاً عذباً خير من مئات يأخذونه، ولا يستسيغونه، أو يعلو على مداركهم فينكرونه، أو يتلقونه غير عابئين بما فيه.

فإذا كان الذين نفوا ابن حزم، أو ألزموه البقاء في ضيعته قد أرادوا إطفاء نور العلم الذي انبعث بين جنبيه، فقد أراد الله سبحانه وتعالى إتمامه، يجعله للطالبين له المقبلين عليه، وإن تلك الصفوة التي اختارها الله لتنتاب مجالسه هي التي نشرت علمه من بعده، فطوى التاريخ ذكر الذين ناوعوه من الفقهاء، وبقي اسمه لامعاً بين علماء المسلمين جميعاً، بل بين علماء الإنسانية قاطبة.

وإذا كان ابن حزم قد ورث سلطاناً وأموالاً، وتولى الوزارة فكل ذلك طوي في ثنايا التاريخ. وبقي اسم العالم وحده نوراً يشق مجراه في ظلمات التاريخ.

معيشته

٦٢ - لم يكن ابن حزم في حاجة إلى وقت يشغله في طلب المال، بل كان موفور الرزق من ضيعات خلفها له أبوه، فقد كانت حياة أبيه حياة

52