ومما يرجح أن القضية في أوائلها المنسية كانت قضية نزاع على الملك، أن اسم «ست» محي من الهياكل بعد زمن، وأن أتباعه لاذوا بالجنوب، حيث يلوذ كل حاكم منهزم في عاصمة المملكة الشمالية، وأن ملوك الرعاة أعادوا ل «ست» كرامته حين أرادوا أن يحاربوا السلطان القائم، فبنوا له هيكلا في مصر السفلى، وأوجبوا عبادته هناك.
وقد استعيرت صفات «ست» من صفات أوزيريس على التناقض والتقابل بين الطرفين، فكان من صفات أوزيريس «أنه ملك الخلود، وسيد الباقيات، وأمير الأرباب والناس، وإله الآلهة، وملك الملوك، وسيد العالم الذي لا يفنى سلطانه».
أما صفات «ست» فهي نقيض الخلود والسيادة على الأرباب والناس، فلا سيادة له على غير الأرواح الخبيثة والأحياء الدنيا؛ ومن ثم يصورونه برأس حيوان مجهول، لا يراد به تمثيل حيوان معين، ولكنه يمثل الحيوانية في صورتها المبهمة، ويجعلون له أذنين منتفضتين كناية عن الإسراع إلى استطلاع الشر، وذنبا شائلا كناية عن الحران والأشر، ويعودون عليه باللائمة كلما أصيبت الدولة بالهزيمة، أو أغار على البلاد مغير مغتصب؛ لأنهم شخصوا فيه عوامل التمرد والانتقاض، فربما كان هذا من أسباب حظوته عند ملوك الرعاة، فاعتبروه عونا لهم وخصما للسلطان الزائل الذي أغاروا عليه، وأحبوا أن يتقربوا إلى عباده في الجنوب تمهيدا لضم الأقاليم جميعا في مصر العليا إلى دولتهم التي استقرت بمصر السفلى زمنا، وتوقفت عندها جهودهم قبل إجلائهم آخر المطاف عن الجنوب والشمال.
ومن أصالة الصبغة الحكومية أو صبغة الحكم والتحكيم في أقدم المأثورات المصرية، أن الأساطير العريقة في القدم تروي لنا من أخبار خصومة ست وأوزيريس، أن «ست» اتهم أخاه بالجور عليه، فوكلت الأرباب قضيتهما إلى أمينها الخاص الذي يعرف أسرارها، ويحفظ حكمتها، ويؤتمن على قضاياها - وهو الإله توت - فتبين له صدق أوزيريس وكذب ست، وخرج هذا مدينا بالذنب والشر من زمرة السماء، فما برح كل مصري في الزمن القديم يتقرب إلى إله الحكمة، عسى أن يتولى الدفاع عنه بعد الموت، وينصفه في قضيته كما أنصف أوزيريس من أخيه المفتري عليه.
وقد شغل «ست» وظيفة ضرورية في عهود الأزمات التي تنهزم فيها الدولة، وتنضب الثروة، ويختل نظام الحكم، وتضطرب مرافق المعيشة، فقد كان «ست» يبوء وحده بجريرة ذلك كله، وكانت عليه وحده تبعة كل آفة لا يستطاع دفعها، ومن هذه الآفات: ريح السموم، وعوارض الجفاف والقحط، وأوبئة المرض، وسائر الأمراض التي كانت تنسب من قديم الزمن إلى الجان والعفاريت، وقد كانت عليه التبعة أيضا في بقاء السحر الخبيث؛ لأنه كان على علم واسع بفنونه، ولم يكن في وسع الكهان والسحرة أن يعالجوا شروره، ويبرئوا المرضى من آفاته بغير وسائله وأسراره؛ ولهذا كثرت عندهم التمائم والتعاويذ، ومنها ما بقي إلى اليوم في صور الجعل والحشرات والأساور والقلائد التي لا تصنع للزينة، ولكنها تقرن بالأدوية والعقاقير طلبا للشفاء، ويقول الأطباء الذين كانوا يشتغلون بالطب والسحر: إن الدواء هو الذي يشفي ويبرئ من المرض، ولكن التمائم والتعاويذ هي التي تمنع «العكوس» من فعل أرواح الشر وأطياف الظلام.
وقد كان الفراعنة أنفسهم يلجئون إلى السحر لمغالبة الأرواح الخفية، فاستعان رمسيس الثاني بأصحاب التمائم والتعاويذ على مداواة أهل بيته، ولم يفعل ذلك جهلا منه بالطب ولا تعظيما منه لقدر السحر، ولكنه فعله إيمانا بضرورة اختيار الترياق من جنس المرض، ولكل شيء آفة من جنسه، كما قيل من قبل ويقال في كل زمان.
ولدينا من بقايا قصص السحرة نخبة لم يتخيرها جامعو الآثار، ولكنها اجتمعت لهم من حيثما اتفق بين الأنقاض والمحفورات، وكلها تروي أعمال السحرة في مجازاة الأشرار، كقصة الساحر «أبانير»، أي فالق الصخر، الذي استخدم سحره في الاقتصاص من عشيق زوجته، فصنع على يديه تمساحا من الشمع أرسله في البركة التي يغتسل فيها العشيق فالتهمه، وذهب ليبلغ الملك نبأ هذه العقوبة كي تحدث في ملكه بعلمه وإقراره.
ومن لم يكن سحره قصاصا من المسيئين إليه وإلى الفضيلة، فهو من قبيل «خفة اليد» التي يستخدمها الساحر لاستخراج النفائس المفقودة، كما فعل الساحر «خاتشا منخ» حين سقط الخاتم من إصبع إحدى الجواري المصاحبات للملك «سنفرو» في زورقه، فحسر الساحر الماء وكشف عن أرض البركة حيث استقر الزورق إلى جانب الخاتم المفقود، ثم تلا الساحر عزائمه فتلاقى الماء من تحت الزورق ورفعه رويدا رويدا حتى استوى على البركة كما كان. •••
يقول صاحب كتاب صناعات السحر في مصر القديمة:
إن السحرة المصريين كانوا على علم تام بلزوم الفضيلة والطهارة للساحر الطبيب، وفي اعتقادهم على الدوام أن الآلهة إنما يقترب منها كل طاهر القلب، سليم النية، وكانوا ينشئون على الإيمان بأن العبث ومطاوعة الشهوات تجور على العقل والبدن، وتعوق طالب المعرفة.
Halaman tidak diketahui