يوافق أجاممنون، في ظل عجزه عن مناهضة المصلحة العامة، على التنازل عن الفتاة، شريطة أن يعطى «غنيمة» أحد ما حتى لا يصير، وهو أعظم الملوك قاطبة، بلا سؤدد. وإن استلزم الأمر، فسيصل به الأمر إلى أن يأخذ بريسئيس، غنيمة آخيل، في القسمة العادلة للغنائم. فيؤدي وعيد أجاممنون، وتهديده الصريح «لغنيمة» آخيل إلى رد فظ من آخيل، يحدد فيه بوضوح بنود الخلاف بينهما:
فنظر إليه آخيل ذو القدمين السريعتين شزرا وقال له: «آه، المتلحف بقلة الحياء، المنشغل بالغنائم، كيف لأي رجل من الآخيين أن يطيع كلماتك بقلب متلهف، في الارتحال أو في قتال رجال أشداء؟ أنا لم آت هنا من أجل قتال حاملي الرماح الطرواديين؛ فهم لم يسيئوا لي. ولم يشتتوا ماشيتي ولا خيولي ولا أفسدوا محاصيلي في أرض فثيا [في ثيساليا] الخصبة، راعية الرجال . فثمة الكثير مما يفصل بينا وبينهم؛ كالجبال الظليلة والبحر الهادر. ولكننا، يا من لا يعرف الخجل، تبعناك لنرضيك، يا ذا العينين الكلبيتين، وأنت تسعى للظفر بالشرف لمينلاوس ولنفسك من الطرواديين. إنك لا تفطن لهذا الأمر. والآن تهدد بأن تأخذ مني غنيمتي، التي جاهدت جهادا مريرا لأنالها، التي منحني إياها أبناء الآخيين. وأنا الذي لم أحصل أبدا على غنيمة مثل غنيمتك، عندما سلب الآخيون حصنا منيعا للطرواديين. أنا الذي أتحمل وطأة القتال الضاري، ومع ذلك عندما يحين وقت توزيع الغنائم، تكون غنيمتك أنت أكثر بما لا يقاس، بينما أعود أنا إلى سفني بغنيمة أصغر ولكنها غالية على نفسي، بعدما يكون قد أعياني الجهد في القتال. أما الآن فإني سأعود إلى فثيا. إن العودة إلى الوطن في سفني ذات المقدمات المعقوفة أفضل كثيرا، ولا أنتوي وأنا هنا مهان أن أكوم لك الغنى والثراء.» (الإلياذة، 1، 148-171)
يهدد آخيل مباشرة سلطة أجاممنون، بهجوم جبهوي مباشر، ويتملك الغضب أجاممنون. إنه بالفعل سوف يأخذ فتاة آخيل، بريسئيس. ويستل آخيل، الغاضب هو الآخر، سيفه ليقتل أجاممنون، وهو الأمر الذي قد يبرره حرصه على الظفر بالشرف. الموقف يخرج عن السيطرة: إن قتل آخيل أجاممنون، فستنهار الحملة وسيخسرون الحرب (ولن يكون ثمة قصة تروى). غير أن أثينا، التي لا يراها إلا آخيل وحده، تجذبه من شعره وتوقف يده، وتقول له إنه إن رضخ الآن، فسوف ينال لاحقا من التشريف أكثر من أي وقت مضى ويحصل على ثلاثة أضعاف من الغنائم.
يرضخ آخيل بالفعل. يمكن لأجاممنون أن يأخذ بريسئيس، ولكن المقابل هو بحر من الغضب يستنزف آنذاك كل كيان آخيل. لقد تعرض للإهانة على رءوس الأشهاد. لن يقاتل بعدئذ لأجل حثالة مثل أجاممنون وغايته الرخيصة. قريبا سوف يندم الملك أجاممنون، وكل من سمحوا له بأن يتصرف بهذه الطريقة، أن آخيل لن تطأ قدماه ساحة القتال بعد الآن. يحاول نيستور، الذي يمنحه عمره المديد حكمة واعتبارا، تهدئة القائدين، ولكن الأمور كانت قد تجاوزت الحد ويفترقان غاضبين.
هكذا تبدأ القصة. يقع ذلك الفيض من الأحداث في أقل من 300 بيت، ويعد واحدا من تسلسلات الأحداث العظيمة في الأدب. يعرف هوميروس، مبتكر الحبكة الأدبية، القصة ذات المأزق المزدوج: أي أيا كان الاتجاه الذي تسلكه الشخصية، فإنها هالكة. وهو تصور يوناني الخصائص. فنحن نتعاطف مع آخيل، ونعتقد أن أجاممنون يعامله بإجحاف، ولكن ما الخيار الذي يملكه أجاممنون؟ إذ لا بد أن يستبدل أجاممنون غنيمته
geras ، التي يجبره الطاعون على التنازل عنها، وإلا فسوف يصير بلا سؤدد، وهو أمر من غير المحتمل أن يليق بقائد حملة دولية في عالم كل السلوك فيه موجه صوب الظفر بالسؤدد. فالسؤدد يولد «الشهرة/الذكر» والتي تكافئ كلمة
kleos
باليونانية، والتي تعني في واقع الأمر «ذاك الذي يسمع»، ومصدرها
kluo «يسمع». فأنت تمتلك شهرة
kleos
Halaman tidak diketahui