بينما يوجد مؤلفون للقصائد، مثلما صاغ هوميروس «الإلياذة»، فإن الأساطير ليس لها مؤلفين. ويظل هذا صحيحا حتى وإن كان محتما أن شخصا ما قد روى القصة لأول مرة. ولأن الأساطير ليس لها مؤلفين، فلا يوجد مقصد للمؤلف، ولا غرض أصيل لرواية القصة. ولكن عندما يسرد هوميروس أسطورة، فإن القصة تكتسب غرضا لذلك السرد؛ فهوميروس مؤلف، أي إنه عقل متفرد يمتلك غاية متفردة.
تعيش الأساطير فقط عندما يكون من الممكن أن يعاد حكيها، ومن ثم يمكن مواءمتها لتتناسب مع الظروف المتغيرة. ولعدم وجود قصة أصلية، فإننا بحاجة لاستيعاب الأسطورة باعتبارها تقليدا ينطوي على تنوع؛ أي إنه لا وجود لما يسمى صيغة «أصلية» للأسطورة، مثلما كان هناك في حالة نص القصائد الهوميرية، أما الأسطورة فدائما ما تكون مجموعة من التنويعات. ومما يؤسف له أن الفشل في استيعاب الفارق بين الأسطورة وقصائد هوميروس قد ضلل بعض المعلقين وساقهم إلى الاعتقاد بأن قصائد هوميروس، هي أيضا، «مجرد تقليد» وأن هوميروس هو «رمز لذلك التقليد».
والمفارقة أنه لا يمكن لنا مطلقا أن نطالع الأسطورة على نحو مباشر؛ لأنها لا توجد إلا ضمن تنويعات محددة، أيا كان ما تصادفه وفي أي وقت كان، وفي دراستنا للعالم القديم، نجد تلك التنويعات دوما في صورة مدونة. ومع ذلك فإن الأسطورة، التي هي عبارة عن قصة ذات بنية، تقبع متوارية وراء كل تلك التنويعات. لنتأمل، مثلا، أسطورة أوديب. يحكي لنا هوميروس (في الأوديسة، 11، 348-360) أن أوديب تزوج أمه وقتل أباه، ولكنه لا يذكر شيئا بشأن فقء أوديب عينيه، وهو الأمر الذي من أهميته في رواية سوفوكليس ذائعة الصيت للقصة كان ذروة الأحداث. وكلتا الصيغتين تمثل «أسطورة أوديب» بصرف النظر عن الفروق بينهما.
في المثال الوحيد على وجود شكلين مختلفين لأسطورة واحدة في كل القصائد الهوميرية، نعرف في الكتاب الأول (الأبيات 586-594) من «الإلياذة» أن زيوس الغاضب أمسك هيفايستوس ذات مرة من قدمه وقذف به من جبل الأولمب، ولعل هذا هو مصدر عرجه (لا يقول هوميروس ذلك). وفي الكتاب الثامن عشر (الأبيات 394-397) نكتشف أن هيرا أم هيفايستوس ألقت به من السماء، اشمئزازا من عرجه. لا هذه ولا تلك هي الأسطورة الصحيحة عن «طرد هيفايستوس»، ولكن كل واحدة منهما هي تنويع استمده الشاعر من «مستودع من التقليد» يجسده على أنه الوحي (إله الإلهام): مصدر كل ما يعرفه ويقوله. علاوة على ذلك فإن كل شاعر شفاهي يضيف باستمرار لهذا المستودع، أو يغير من خصائصه، إذا كان شاعرا عظيما ويتمتع بالتأثير. نعم إن التقليد شيء حقيقي، ولكنه ليس موجودا إلا في أفواه وعقول الشعراء الذين يجسدونه، لا في أي مكان آخر.
يقسم النقاد المعاصرون الأساطير تقليديا إلى ثلاثة أنواع، حسب محتواها وطبيعة الشخصيات الفاعلة فيها. تختص «الأساطير الإلهية» بالآلهة وتصرفاتهم؛ وتختص «أساطير الأقدمين» بمآثر رجال ونساء عظام عاشوا منذ زمن بعيد؛ وتتعلق الحكايات الشعبية ببشر عاديين أو حيوانات. تختلف أساطير الأقدمين عن التصنيفين الآخرين نظرا لزعم صحتها تاريخيا. تصنف «الإلياذة» و«الأوديسة» ضمن أساطير الأولين، وطالما تقبلهما اليونانيون باعتبارهما قصصا تاريخية، على الرغم من تضمنهما لبعض الأساطير الإلهية والحكايات الشعبية. فقصة إسقاط هيفايستوس من السماء أسطورة إلهية. تحتوي «الإلياذة» على نزر يسير جدا من الحكايات الشعبية، في حين أن «الأوديسة» في مجملها، على النقيض، هي شكل مختلف من «نوع» من الحكاية الشعبية يدعوه الباحثون «عودة الزوج إلى الديار» (يوجد مئات الأنواع من الحكايات الشعبية في الأدب الشعبي العالمي). و«الفكرة النمطية (الموتيفة)» المحورية للحكاية الشعبية في القصة هي «قدوم الزوج للديار في نفس الوقت الذي كانت فيه الزوجة على وشك الزواج من آخر». وهذا النوع الرائع من الحكايات الشعبية موجود على نطاق جغرافي شاسع، من أيسلندا إلى إندونيسيا، ونال الكثير من المعالجات الأدبية. تظهر تنويعات عديدة، تحتوي على تشابه ملحوظ مع «أوديسة» هوميروس، في التقليد السلافي الجنوبي الذي درسه باري ولورد. لاحقا سيكون لدينا المزيد مما سندلي به بشأن الأسطورة في قصائد هوميروس. (7) الخلاصة: إنجاز هوميروس
عادة عندما ندرس عملا أدبيا يكون لدينا بعض المعلومات حول توقيت إنشائه، ومكان تأليفه، وكيفية انتشاره. في حال قصائد هوميروس ليس لدينا أي من هذه المعلومات. فهو ينتمي إلى مرحلة قريبة من بداية معرفة الأبجدية الغربية، ولكن كيف ولماذا؟ إن قصائده أطول بكثير من أن تكون مألوفة أو اعتيادية. وبعد ألفين وخمسمائة سنة من البحث المكثف ما زلنا لا نستطيع أن نجزم بالغرض الذي من أجله نظمت هذه القصائد.
إن أعظم العقبات التي تعترض الفهم نتجت عن توقع كل جيل أن هوميروس كان يتصرف مثلما نتصرف، ومثلما يتصرف أولئك المحيطون بنا. وكأنه جلس على منضدة وكتب قصيدتين طويلتين ومعقدتين؛ وقرأهما الناس، وقلدوهما، واقتبسوا منهما، وأحبوهما. بيد أن أدلة دامغة تكشف عن أن ذلك لم يحدث على الإطلاق. لقد جاء هوميروس من عالم لا يسعنا إلا التخمين بشأنه، وهو العالم الذي يقع زمنيا على مشارف معرفة الأبجدية اليونانية.
وفقا لتفسير يبدو مقنعا، يمكننا القول إنه أملى قصائده على شخص ما، وقد يكون ذلك حدث على جزيرة عوبية في أواخر القرن التاسع أو أوائل القرن الثامن قبل الميلاد. ولا شك في أنه قد آل إليه تقليد بالغ القدم من النظم الشفاهي للأنشودات تعود جذوره إلى بلاد ما بين النهرين. وعلى مدى مئات الأعوام كان هذا النوع من الأنشودات، نوعا ما، يدون بخط سامي غربي أو فينيقي؛ وبعد ذلك دونت كلمات هوميروس بالأبجدية اليونانية التي كانت جديدة تماما وقتئذ، والتي تعد أول تقنية قادرة على حفظ ملامح تقريبية للسمات الصوتية للكلام البشري. ومن ثم كانت القصائد، أو أجزاء منها، أساس التعليم اليوناني ثم الروماني. وحتى في وقتنا الحالي تعتبر القصائد الهوميرية محورية للتعليم الإنساني.
حالما نضع هوميروس الإنسان في زمنه الصحيح، يمكننا أن نعتبره شاهدا على أسلوب حياة اليونانيين في ذلك الوقت، ولكن كي نفعل ذلك علينا أولا أن نجرده من عناصر الصنعة الأدبية التي أضفى بها على قصصه سمة التشويق وهي: الحبكة، والشخصية، وجمال العبارة، والأسطورة، والخيال، والصراع الشعوري والأخلاقي، وتسوية الصراع. لو كان هوميروس قد افتقر إلى تلك الصنعة الأدبية، لما اتسم بهذا القدر من التشويق بالطبع، أو يمكننا القول إنه لم يكن سيصبح له وجود على الإطلاق؛ لأنه لا بد وأن عظمة هوميروس «كمنشد ملحمي» هي السبب وراء تكبد شخص عناء إنشاء نصوص من شعره من الأساس.
ولما كانت الاستعراضات العامة المتعلقة بفقه اللغة والتاريخ والأدب لقصائد هوميروس مثيرة لقدر كبير من الاهتمام، يتعين علينا الآن أن نفحص بتدقيق أكبر عناصر الصنعة الأدبية لنرى الكيفية التي تعني بها هذه القصائد ما تعنيه، منتقلين من مشهد إلى مشهد ومن تعاقب إلى تعاقب. دعونا نتابع الاستعراض التفصيلي للشاعر، مبدين، ونحن نمضي قدما، ملاحظات على مسائل اجتذبت اهتمام مؤرخين أدبيين، يعود بعضهم إلى أقدم العصور. وإن كان لنا أن نجد إنجاز هوميروس الباقي على مر الزمن، فلسوف نجده ها هنا.
Halaman tidak diketahui