Hikmah Barat
حكمة الغرب (الجزء الأول): عرض تاريخي للفلسفة الغربية في إطارها الاجتماعي والسياسي
Genre-genre
Conceptualism
عند أرسطو، وتسمى هذه النظرية بالاسمية
Nominalism ، وترى أن الكليات ما هي إلا أسماء، وأن الجزئيات تسبق الكليات. وقد ظلت المعركة بين الواقعيين والاسميين حول مسألة الكليات محتدمة بعنف طوال العصور الوسطى، وما زالت قائمة حتى يومنا هذا في العلم والرياضة. ونظرا إلى ارتباط الواقعية المدرسية بنظرية المثل، فقد أطلق عليها في العصر الحديث اسم المثالية، ولكن من الواجب أن نميز بين هذا كله وبين الاستخدامات التالية غير المدرسية لهذه الألفاظ، وهي الاستخدامات التي سنشرحها في مواضعها المناسبة.
وتظهر واقعية يوحنا بوضوح في كتابه الفلسفي الرئيسي «عن تقسيم الطبيعة». في هذا الكتاب يرى أن للطبيعة تقسيما رباعيا؛ تبعا لكون الأشياء خالقة، أو غير خالقة، ومخلوقة، أو غير مخلوقة. فهناك أولا الخالق غير المخلوق، ومن الواضح أن المقصود هنا هو الله، ثم يأتي الخالق المخلوق، وهي فئة تندرج تحتها المثل بالمعنى الذي قال به أفلاطون وسقراط؛ لأنها تخلق الجزئيات ويخلقها الله الذي تستمد كيانها منه. ولدينا ثالثا الأشياء الموجودة في المكان والزمان، التي هي مخلوقة غير خالقة. وأخيرا يتبقى غير الخالق وغير المخلوق، وهنا نعود بعد دورة كاملة إلى الله بوصفه الهدف النهائي الذي ينبغي أن تسعى إليه الأشياء جميعا. وبهذا المعنى لا يكون الله خالقا؛ لأنه لا يتميز عن غايته الخاصة.
هذا فيما يتعلق بالأشياء التي توجد، غير أنه يدرج في الطبيعة أيضا الأشياء التي لا توجد، وأولها الأشياء المادية العادية، التي تستبعد، بطريقة دالة على اتجاهه الأفلاطوني الجديد، من العالم المعقول. وبالمثل ينظر إلى الخطيئة على أنها نقص أو حرمان، وتباعد عن النموذج الإلهي، ومن ثم فهي تنتمي إلى عالم ما هو غير موجود. وهذا كله يعود بنا إلى النظرية الأفلاطونية التي يكون فيها الخير كما رأينا مساويا للمعرفة.
على أن الرأي القائل إن الله متوحد مع غاياته يؤدي مباشرة إلى لاهوت قائم على فكرة شمول الألوهية
pantheistic ، بعيد كل البعد عن الأصول الدينية؛ فماهية الله ذاته غير معروفة، لا بالنسبة إلى البشر فحسب، بل بالنسبة إلى الله ذاته، ما دام الله ليس موضوعا قابلا لأن يعرف. والسبب المنطقي لذلك وإن لم يكن يوحنا قد صرح به، هو أن الله كل شيء، وفي هذه الحالة لا يمكن أن ينشأ الموقف المعرفي الذي يوجد فيه عارف وموضوع للمعرفة. أما نظريته في الثالوث فلا تختلف عن نظرية أفلوطين؛ فوجود الله يكشف عن ذاته في وجود الأشياء، وحكمته تتكشف في نظامها، وحياته في حركتها، وهذه الجوانب الثلاثة تناظر الأب والابن والروح القدس على التوالي. أما عن عالم الأفكار أو المثل فيشكل الكلمة الإلهية، ويؤدي بتوسط الروح القدس إلى ظهور الجزئيات، التي ليس لها وجود مادي مستقل، والله يخلق الأشياء مما ليس بشيء بالمعنى الذي يكون فيه هذا الذي ليس بشيء هو الله ذاته الذي يعلو على كل معرفة، ومن ثم فهو ليس شيئا. وهكذا يعارض يوحنا الرأي الأرسطي الذي يعزو إلى الجزئيات وجودا ماديا. ومن جهة أخرى فإن الأقسام الثلاثة الأولى التي تحددت وفقا لكون الأشياء خالقة أو مخلوقة، مستمدة من تقسيم أرسطو المماثل للأشياء تبعا لكونها متحركة بذاتها أو بغيرها. أما القسم الرابع فمستمد من مذهب ديونيزيوس الأفلاطوني الجديد. ولقد كان ديونيزيوس، الذي كان تلميذا أثينيا للقديس بولس، هو الكاتب المزعوم لرسالة توفق بين الأفلاطونية الجديدة والمسيحية. وقد ترجم يوحنا هذه الرسالة من اليونانية، ومن الجائز أن يكون قد ضمن لنفسه الحماية على هذا النحو؛ لأن ديونيزيوس المزعوم هذا كان ينظر إليه خطأ على أنه مسيحي متمسك بالعقيدة الأصولية، نتيجة لارتباطه بالقديس بولس.
وفي القرن الحادي عشر بدأت أوروبا أخيرا تدخل فترة من الانتعاش. فقد استطاع النورمنديون إيقاف التهديدات الآتية من الشمال والجنوب، ووضع غزوهما لإنجلترا حدا للغارات الإسكندنافية، على حين أن حملاتهما في صقلية أزالت الحكم العربي نهائيا من هذه الجزيرة. وبدأت تترسخ دعائم إصلاح مؤسسات الأديرة، كما أعيد النظر في مبادئ انتخاب البابا وتنظيم الكنيسة. وأخذت الأمية تتراجع بتقدم التعليم، لا بين رجال الدين فحسب، بل بين أبناء الطبقة الأرستقراطية أيضا.
على أن الصعوبتين الأساسيتين اللتين كانتا تعترضان الكنيسة في ذلك الوقت هما شراء المناصب الكنسية بالمال، ومسألة الامتناع عن الزواج. والأمران يرتبطان بوضع السلك الكهنوتي كما تطور عبر السنين، فنظرا إلى أن القسس كانوا هم المشرفين على المعجزات والسلطات الدينية، فإنهم أخذوا يمارسون بالتدريج تأثيرا كبيرا على الشئون الدنيوية، وهو تأثير لا يمكن أن تدوم فعاليته إلا إذا ظل الناس في عمومتهم يعتقدون أن هذه القدرات أصلية. وقد ظل هذا الاعتقاد سائدا بإخلاص ومنتشرا طوال العصور الوسطى، غير أن تذوق طعم السلطة يثير الشهوات والأطماع، وما لم تكن هناك تقاليد أخلاقية قوية وفعالة توجه من يحتلون مواقع السلطة، فإنهم يتجهون إلى الانتفاع إلى أقصى حد من مراكزهم، وهكذا أصبح منح المنصب الكنسي لقاء المال مصدرا للثروة والقوة عند من يملكون منح مثل هذه التكريمات، وأدت هذه الممارسات في النهاية إلى إفساد المؤسسة، كما كانت تبذل من آن لآخر جهود لمكافحة هذا الداء.
أما مسألة امتناع رجال الدين عن الزواج فلم تكن الآراء فيها قاطعة، ولم يبت في جوانبها الأخلاقية أبدا على نحو نهائي. فلم يحدث في الكنيسة الشرقية، ولا في الكنائس الإصلاحية الغربية فيما بعد، أن نظر إلى الامتناع عن الزواج على أنه ذو قيمة أخلاقية، أما الإسلام فيذهب إلى حد التنديد به. ويمكن القول إنه كانت هناك أسباب معقولة من الوجهة السياسية للتغيرات التي حدثت في هذه الفترة، فلو تزوج رجال الدين لاتجهوا إلى تكوين طائفة وراثية، وخاصة إذا أضيف إلى ذلك الدافع الاقتصادي الخاص بالمحافظة على الثروة. وفضلا عن ذلك فينبغي ألا يكون رجل الدين مماثلا لأي رجل آخر، وخير وسيلة لتأكيد هذا التمييز بينهما هي العزوف عن الزواج.
Halaman tidak diketahui