Hayat Masih
حياة المسيح: في التاريخ وكشوف العصر الحديث
Genre-genre
فلم تكن سيادة الدولة الرومانية على الشرق مقدمة لسيادة الديانة الرومانية كما جرت العادة في كثير من أطوار التاريخ، بل حدث على نقيض ذلك أن عقائد الشرق هي التي غلبت على رومة وأتباعها، وهي التي انتقلت من الأمم المحكومة إلى الأمة الحاكمة، وجاءت المسيحية بعد ذلك فلم تكن استثناء من هذه القاعدة، بل كانت تطبيقا جديدا لها أعم وأوسع من كل تطبيق متقدم عليها.
وليس في الأمر مخالفة للسنن الطبيعية كما يبدر إلى الذهن لأول وهلة؛ فإن سريان العقائد من الشرق إلى الغرب في تلك المرحلة كان هو السنة الطبيعية التي تؤيدها جميع الأسباب، ولا ينقضها سبب واحد صالح للتعليل.
كان اتخاذ النحل الشرقية موافقا للقياصرة، وموافقا للرعايا في وقت واحد، فقد كان القياصرة يطمعون في الربوبية، وكانوا يسمعون أن كهان المعابد في الشرق يعلنون حلول الآلهة في أجسام الملوك، ويرشحونهم للعبادة، ولم تزل المناداة بالإسكندر ابنا للإله «آمون» خبرا يتناقله المطلعون على سيرة ذلك الفاتح، ويتشبه به منهم من يطمح مثل طموحه، ويفتح مثل فتوحه، وجر هذا المطمع الغريب إلى فتنة عنيفة في وطن السيد المسيح، حين تصدى الملك أنطيوخس - خليفة الإسكندر - بطلب الربوبية، وسمى نفسه بالإلهي أو صاحب الشارة الإلهية.
وقد كان رعايا الدولة الرومانية خليطا من الشعوب المختلفة، وسرى هذا الاختلاط إلى الجيوش التي كانوا يسوقونها إلى المشرق، ويتركونها فيه زمنا، ثم يتعمدون إبقاءها ثمة بعض الأحيان اتقاء لمنازعاتها كلما أطالت البقاء في العاصمة، ولم يكن من شأن هذا الخليط أن يتعصب لعبادات رومة أو يعرض عن عبادات غيرها، فوافقه أن يتشبه بالمشارقة، كما حدث في عهد الإسكندر، وأن يطلب الربوبية من القياصرة!
ولم تزل سمعة الشرق عند الغربيين منذ القدم أنه هو مهبط الأسرار العلوية، وأنه تعلم من خبر السماء ما لا تعلمه الأمم الغربية، وأن كهان الشرق سحرة يطلعون على الغيب، وينفذون إلى بواطن الديانات، وكلمة السحر عندهم
Magic
منسوبة إلى المجوس، والسحر البابلي في كل لغة مضرب المثل من الزمن القديم إلى الزمن الحديث، وتوقيت الزمن بالأسابيع التي يسيطر كوكب من الكواكب على كل يوم منها تراث شرقي موغل في القدم، لا تزال بقاياه في التقويم الأوربي من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب.
فلا عجب أن يؤخذ القوم بهذا السحر، ويسلموا لأبناء الشرق بأخبار السماء وأسرارها، ما دامت الأرض في أيديهم يحكمونها كما يشاءون، ويجدون من الكهان والسحرة من يبايعهم عليها باسم السماء!
لهذا زحفت على العالم الروماني نحلة «مثرا» ونحلة «إيزيس» ونحلة المتنطسين ، كما زحفت عليه نحلة أورفيوس اليونانية من آسيا الصغرى، ومرجعها هي أيضا إلى الشرق القديم.
وقد شوهدت آثار العبادة المثرية في أقصى أقطار الدولة الرومانية من المغرب: شوهدت في آثار السور الروماني للبلاد الإنجليزية، كما شوهدت في غيرها، وشاعت العبادة بين شبان الجيش؛ لأن «مثرا» كان شخصية مزدوجة تجمع بين صفتين محبوبتين: إحداهما صفة النور الذي يبدد الظلام، والحق الذي يمحق الباطل؛ والأخرى صفة المناضل رب الجنود الذي قيل في كتاب المجوس المعروف بكتاب «الأفستا» إنه يسوق جحافله منتصرا؛ لتغليب إله الخير أورمزد على إله الشر أهريمان، وهو كذلك إله محبوب عند غير الجنود؛ كالرعاة، والعاملين بالليل، يعبده الرعاة والملاحون، ويهتدون بنوره في أعمالهم الليلية، ويعتقدون أنه يولد في الجسد الآدمي، كما يولد الفقراء في كهف مهجور؛ ولهذا يتخذون له المعابد من الكهوف، وربما حببه إلى العباد ذلك الحنين المعهود في الناس إلى استطلاع الأسرار، والطموح إلى الترقي في درجات العلم بالمجهول، فقد كانت لعباده درجات سبع ينتقلون فيها من درجة إلى درجة على أيدي الأئمة المختارين، ويتعاطون الشعائر في كل احتفال سرا أو جهرا على ملأ من الصفوة المقربين، ومنها تناول الخبز، واعتبار الشهد المقدس الذي يوضع على اللسان رمزا إلى حلاوة الإيمان.
Halaman tidak diketahui