Hamayan Zad
هميان الزاد إلى دار المعاد
{ فامسحوا بوجوهكم } مما ردت الإذن إلى الإذن، ومن منبت شعر الجبهة المعتاد إلى الذقن. { وأيديكم } أكفكم ظاهرها وباطنها، وقيل ظاهرها، ويدل تفسير بالأكف التفسير به فى آية قطع السارق والسارقة، وحديث عمار أنه أرسله صلى الله عليه وسلم فى حاجة وأجنب فتمعك فى التراب، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم
" يكفيك ضربة للوجه وضربة للكفين "
ودل المسح باطنهما مع ظاهرهما رواية محمد أنه قال له
" يكفيك هكذا "
فضرب بيديه إلى الأرض فنفضهما وأنه مسح ظاهر كفيه وباطنهما، ويدل لباطنهما أيضا ما يأتى من مسحه فى رواية المسح إلى المناكب. وروى البخارى ومسلم فى حديث عمار أنه ضرب ضربة واحدة للوجه والكفين، وبه قال على وابن عباس فى رواية عنه، والشعبى وعطاء ومكحول والأوزاعى ومالك وأحمد وإسحاق وداود، وروى البيهقى أن التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين، وبه قال ابن عمر وابنه سالم والحسن وأبو حنيفة والشافعى، فإن اليد تغسل فى الوضوء من أصابعها إلى مرفقها، والصحيح فى الرواية حديث عمار الذى فيه ضربتان، ضربة للوجه وضربة للكفين، وأما حديثه الذى فيه ضربة واحدة، فلعله فى بيان كيفية المسح لا بيان أن الضرب ضربة واحدة، ثم بين له أنه ضربتان، وقيل ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى الكتفين والإبطين، وبه قال الزهرى والزجاج لأن ذلك كله يرفع رواية عن عمار تمسحوا وهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصعيد لصلاة الفجر فضربوا بأكفهم الصعيد ثم مسحوا بوجوههم مسحة واحدة ثم عادوا فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى فمسحوا بأيديهم كلها إلى المناكب والآباط ثم بطون أيديهم، فيستدل من هذا الحديث بأن باطن الكف يمسح كما يمسح ظاهرها، وأقول هذه الروايات كلها جائزة، ثابتة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن كل واحد من ذلك كاف، وفى بعضه التخفيف، وفى بعضه تثقيل، كما أنه لم يتمعك فى التراب كله لم يقل له لا يجزئك، ولم يقل له أعد الصلاة والتيمم، بل قال يجزئك أقل من ذلك. ومما ذكر فيه المسح إلى المرفق رواية الأعرج عن ابن الصامت، إذ قال مررت برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلمت عليه فلم يرد على السلام حتى قام إلى الجدار فحته بعصى كانت معه، ثم وضع يديه على الجدار فمسح وجهه وذراعيه، ثم رد على، لكن هذا الحديث فيه وجه آخر وهو ضربة واحدة للوجه والذراعين، من الكف للمرفق، وهو حديث منقطع لأن الأعرج لم يروى عن ابن الصامت بل عن عمير مولى ابن عباس عن ابن الصامت، كما فى البخارى ومسلم لكن لم يذكر حتى الجدار بل قالا تيمم على الجدار.
{ إن الله كان عفوا } كثير العفو أو عظيمة، وهو صفة مبالغة بوزن فعول، إلا أنه أدغم، والعفو ترك الذنب بلا عقاب عليه. { غفورا } كثير الستر للذنوب أو عظيمة إذ بعضها يمحوها عن صحيفة صاحبها أو يمحو ذنوبه كلها منها وينسى الحفظة ذلك أيضا إذ لم يؤاخذ بالذنوب، لم ير أثرها على فاعلها، كأنه لم يفعلها، فلكثرة عفوه وغفره وعظمهما يسر بالتيمم، فإنه من كان يعفو عن المسىء ويستره بعد إساءته فأولى أن يسهل للعاجز، وحديث عائشة فى سبب نزول آية التيمم وهو إقامتها برسول الله صلى الله عليه وسلم بلا ماء، وعلى غير ماء تلتمس عقدها مذكور فى الوضع والإيضاح بلفظ ذكر به فى البخارى ومسلم، وفيهما أن أسيد ابن حضير أحد النقباء قال ما هى بأول بركتكم يا آل أبى بكر، وإنها قالت إننا خرجنا مع النبى صلى الله عليه وسلم فى بعض أسفاره فذكر أحاديث التيمم، والمراد ببعض أسفاره غزوة بنى المصطلق، وهى غزوة المريسيع، وفيها كانت قصة الإفك، وكان ابتداء ذلك بسبب وقوع عقدها فلعله سقط منها فى تلك السفرة مرتين، واستبعد بعضهم ذلك، لأن المريسيع من ناحية مكة بين قديد والساحل، وهذه القصة كانت من ناحية خيبر لقولها فى الحديث حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش وهما بين مكة وخيبر، كما جزم به النووى، وقال ابن التبن البيداء هى ذو الحليفة بالقرب من المدينة من طريق مكة، وذات الجيش وراء ذى الحليفة أدنى إلى مكة من ذى الحليفة وذات الجيش من المدينة على بريد، وبينهما وبين العقيق سبعة أميال، والعقيق من طريق مكة لا من طريق خيبر، وقد جزم قوم بتعدد ضياع العقد، قال محمد بن حبيب الأخبارى سقط عقد عائشة فى غزوة ذات الرقاع وفى غزوة بنى المصطلق، واختلف أهل المغارى فى أى هاتين الغزوتين كانت أولا، وقال الداودى كانت قصة التيمم فى غزوة الفتح ثم تردد. وروى ابن أبى شيبة من حديث أبى هريرة، لما نزلت آية التيمم لم أرد كيف أصنع، فهذا يدل على تأخرها عن غزوة بنى المصطلق، لأن أبا هريرة أسلم فى السنة السابعة وهى بعدها بلا خلاف، والبخارى كأنه يرى أن غزوة ذات الرقاع كانت بعد قدوم أبى موسى، وقدومه كان وقت إسلام أبى هريرة ومما يدل على تأخر القصة أيضا عن قصة الإفك، ما رواه الطبرانى من طريق يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة قالت لما كان من أمر عقدى ما كان، وقال أهل الإفك ما قالوا، خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى غزوة أخرى فسقط أيضا عقدى حتى حبس الناس على التماسه، فقال أبو بكر يا بنية فى كل سفرة تكونين عناء وبلاء على الناس. فأنزل الله الرخصة فى التيمم، فقال أبو بكر إنك لمباركة، ذكر ذلك فى المواهب.
[4.44]
{ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب } التوراة وهم أحبار اليهود الذين كانوا بالمدينة، وقيل اليهود والنصارى، فالكتاب التوراة والإنجيل، والرؤية قلبية وعديت بإلى لتضمنها معنى الانتهاء، أى ألم نأته علمك إليهم أو البصرية لأنها تعدى بإلى كالنظر، كما تعدى بنفسها، يقال ورأيت إليه، كما يقال نظرت إليه، والأول أولى، ووجه الثانى أنه يقال أنظر إنه الذى فعل كذا، ويريدون النظر إليه بالعين، ولكن المراد التوصل بنظر بدنه إلى توسم أحواله، وقال ابن عباس أنزلت فى رفاعة بن زيد، ومالك اليهوديين، كانا إذا تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم حاكياه وعاباه وعاباه والنصيب من الكتاب بعضه، وقيل معرفتهم بموسى، وأنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ولم يعرفوها، وقيل عرفوها وأنكروها فيه، أنه من عرف شيئا فقد أوتيه ولو أنكره بلسانه، وقيل النصيب الذى أوتوه المعرفة والنصيب الذى لم يؤتوه هو العمل، والصحيح الأول، وهو أنه عرفوا بعض الكتاب هكذا بحيث نعم ذلك بالبعض نبوة سيرة محمد صلى الله عليه وسلم { يشترون الضلالة } الضلالة تكذيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والبقاء على اليهودية. والهدى الإيمان به، لتبقى رئاستهم والعطايا التى يعطونها والرشا التى يرشونها فى الحكم، وعلى تحريف التوراة، والاشتراء إما اختيارهم الضلالة والإعراض عما يذكر لهم من الهدى، قبل أن يفهموه، وإما اختيارهم لها بعد إدراكهم الهدى وفهمهم له، أو بعد تمكنهم من فهمه، فاستعمل الشراء فى مطلق الإقبال على شىء وترك غيره استعمالا للفظ الموضوع للمعنى المقيد فى المعنى المطلق، أو استعير لفظ الشراء لذلك الإقبال، وقيل المراد الذين يعطون أموالهم للأحبار. { ويريدون أن تضلوا السبيل } كما ضلوه، لم يكتفوا بضلالتهم، بل أرادوا أن تصلوا معهم أيها المؤمنون بعد وضوح الآيات لهم ولكم على نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه النبى المبشر فى التوراة والإنجيل، وكانوا يدعونكم إلى الضلالة، والسبيل سبيل الحق والشرع المحمدى، أو ملة إبراهيم عليه السلام، والنصب على حذف " عن " أى عن السبيل، أو على المفعولية لتضمين تضلوا معنى تتركوا أو تفقدوا، وقرئ { يضلوا } بياء مضمومة مع كسر الضاد على حذف مفعول، أى أن يضلوكم السبيل، أو يضلوا غيرهم السبيل، ومع فتح الضاد، أى أن يوقفهم الله أو الشيطان فى الضلالة، شبه سعيهم فى الضلالة بإرادة أن يوقعهم الله فيها، أو الشيطان.
[4.45]
{ والله أعلم } منكم. { بأعدائكم } فاحذروا من أعلمكم الله أنه عدوكم، كهؤلاء اليهود فما أرادوا بكم إلا هلاك الدين والدنيا والأخرى فلا تطمئنوا إليهم. { وكفى بالله وليا } يلى أمركم فلا تضركم عداوتهم وبغضاؤهم وشدة مكرهم. { وكفى بالله نصيرا } ينصركم عليهم، فاكتفوا بولايته ونصره ولهذا أعاد الظاهر، فلم يقل وكفى به والباء صلة فى فاعل { كفى } كما قررنا فى كتب النحو.
Halaman tidak diketahui