Hamayan Zad
هميان الزاد إلى دار المعاد
إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك
لأنه لو شرط الإسلام لكان استغفاره صحيحا لا كلام فيه، وقد تقدم كلام فى ذلك وروى أن أمه أسلمت ودعا لها فالمراد مجموع والديه لا جميعهما، وقيل أراد آدم وحواء وقيل آدم ونوحا وعليه فلا تغليب بخلاف سائر الأقوال ففيها تغليب لفظ الوالد على لفظ الوالدة إذ ثناهما على والدى لا على والدتى، وقرأ سعيد بن جبير ولوالدى بتخفيف الياء على الإفراد يعنى أباه على ما مر أو آدم أو نوحا، ولا يخفى أن الراجح أراده والده على الحقيقة فى هذه القراءة ووالده ووالدته لى الحقيقة فى قراءة التشديد وقراءة الحسن ابن على والزهرى ولوالدى بفتح اللام وإسقاط الألف قبلها أى إسماعيل وإسحاق وأنكرها عاصم وقرىء ولولدى بضم الواو وإسكان اللام وتخفيف الياء جمع ولد كأسد وهم إسماعيل وإسحاق ويعقوب ابن إسحاق ونحوهم أو مفرد مراد به الجنس المتأهل للمغفرة من أولاده من صلب ونسل أو إسماعيل وفى بعض المصاحف ولذريتى وفى مصحف أبى بن كعب ولأبوى وهى موافقة لقراءة ولوالدى بألف وكسر اللام وتشديد الياء { وللمؤمنين } كلهم { يوم يقوم الحساب } أى يوم يحضر الحساب ويثبت ويشتد، قال الطيبى فى شرح الكشاف شبه الحساب فى الوقوع والثبوت بالإنسان إذا كان على أقوى حال وهو القيام ثم أثبت له مجازا ما يلازم الإنسان فى هذه الحالة وهو القيام ثم شبه هذا المثبت لا الحقيقة بما أثبت تحقيقا ثم أطلق المحقق على ذلك اثبت لا على التحقيق ثم اشتق منه يقوم، فهى استعارة مكنية للتخييلية مستلزمة التبعية ا ه. ومثل ذلك قولهم قامت الحرب على ساق وقولهم ترجلت الشمس إذا أشرقت وثبت ضوؤها ويجوز أن يكون ذلك من الإسناد للسبب فيكون الإسناد مجازا عقليا والأصل يوم يقوم الناس لأجل الحساب ويجوز أن يقدر مضاف فيكون الحساب مجازا بالحذف أى يوم يقوم أهل الحساب للحساب أو إلى الحساب.
[14.42]
{ ولا تحسبن } يا محمد. { الله غافلا } أى دم على ما أنت عليه من عدم حسبانك الله كقوله ولا تكونن من المشركين ولا تدع مع الله إلها آخر، أى دم على عدم كونك من المشركين وعدم كونك داعيا مع الله إلها آخر فى أحد أوجه وذلك أن الغفلة معنى مانع من الوقوف على حقيقة الأمر وإن شئت فقل سهو يعترى الإنسان من قلة التحفظ واليقظة والله تعالى منزه عن ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم الخلق بالله وصفاته وبما تنزه عنه فلا يتوهم أن الله جل جلاله يغفل فضلا عن أن ينهى عن ذلك فظهر أن المراد كما مر دم على ما أنت عليه من عدم حسبانك الله غافلا. { عما يعمل الظالمون } لأنفسهم وغيرهم بالشرك والقلق والمعاصى بل هو عالم بما يعملون وسيجازيهم أو أراد بالنهى عن ذلك الحسبان الإعلام بأنه تعالى عالم بما يعملون لا يخفى عنه شىء وإنه يجازيهم على القليل والكثير أو أراد لا تحسبنه يعاملهم معاملة الغافل بل معاملة الرقيب المحاسب على النقير والقطمير والفتيل ويجوز أن يكون الخطاب فى لا تحسبن لكل من يصلح له فيشمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد علمت كيفية نهيه عن ذلك الحساب ويشمل غيره ممن عرف الله وصفاته والكلام فى كيفية نهيه كذلك ويشمل من لم يعرفه بصفاته أو عرفه وكان متزلزلا فبالنهى على ظاهره أى اترك ذلك الحسبان الذى أنت فيه، وقال سفيان عن عيينة ذلك تسلية للمظلوم وتهديد للظالم على الإطلاق فقيل له من، قال هذا فغضب. وقال إنما قاله من علمه، { إنما يؤخرهم } وقرأ أبو عمر وإنما تؤخرهم بالنون فى رواية غير مشهورة وفيها التفات وعلى كل حال فالمعنى يؤخر أو نؤخر عذابهم أو جزاءهم فحذف المضاف { ليوم } أى إلى يوم أو لأجل يوم معدود لهم أو اللام مثلها فى قولك صنعت السرج للدابة واشتريت الباب للدار { تشخص فيه الأبصار } أى أبصارهم أو الأبصار منهم أو مطلق الأبصار وهو الراجح وشخوص البصر أن يبقى مفتوحا ناظرا إلى جهة واحدة لا يعرض عنها وذلك لفرط الحيرة والدهشة من هول ذلك اليوم ويجوز أن يراد بالشخوص انتقال البصر من جهة إلى أخرى لإحاطة الهول من كل جهة.
[14.43]
{ مهطعين } مسرعين من قبورهم إلى إسرافيل إذ يدعوهم من صخرة بيت المقدس وهم مع ذلك فى ذل واستكانة كإسراع الأسير ونحوه وذلك مخالف لحال الدنيا فإن الشاخص فيها يبقى واقفا وذلك هو الراجح، وبه قال سعيد بن جبير وأبو عبيدة وقتادة وقيل المهطع الخضيع. وعن ابن عباس الإهطاع شدة النظر إلى جهة واحدة وعليه فهو حال مؤكدة للشخوص وأصله الإقبال على الشىء ولذلك فسر بالإسراع وأن الإسراع إقبال وفسر بشدة النظر لأنه إقبال بالعين وأجازهما أبو عبيدة وقال ابن زيد المهطع الذى لا يرفع رأسه. { مقنعى رءوسهم } رافعيها إلى جهة السماء. قال الحسن وجوه الناس يومئذ إلى السماء لا ينظر أحد إلى أحد قيل وذلك بخلاف العادة لأن من يتوقع يطرق ببصره إلى الأرض ويحتمل أن يكون ذلك للهول الآتى من جهة السماء كنزول الملائكة وتقطع السماوات وعلى تفسير ابن زيد يكون مقنعى حال مؤكدة للتى قبلها لأنه يفسر الإقناع بخفض الرأس من الذل كما ذكر مكى عن المبرد { لا يرتد } لا يرجع والافتعال هنا للمبالغة الراجعة إلى النفى أى انتفى الارتداد انتفاء بليغا وللمطاوعة رد بأن يهموا بالرد فلا يطاعون أو بأن من شأنهم أن يعملوا فى الرد فكأنهم عملوا فلم يطاوعوا. { إليهم طرفهم } بصرهم هيبة وخوفا فهو شاخص لا يطرف ويجوز أن يكون المعنى لا يرجع إليهم نظرهم فينظروا إلى أنفسهم لشدة الحال والجزع والحذر. { وأفئدتهم هوآء } خلاء وهو الفسحة التى بين السماء والأرض لم يشغلها جسم وإنما أخبر به لتضمنه معنى الخالى كأنه قيل أفئدتهم خالية عن الفهم كما هو شأن المتحير الدهش، وقال ابن جريج أفئدتهم خالية من الخير والحق. وقال ابن عبيدة خالية من العقل، وقال قتادة مواضع أفئدتهم خالية بانتقال الأفئدة عنها إلى حناجرهم لا تخرج ولا تعود إلى مواضعها، وقال سعيد بن جبير أفئدتهم ذات هواء بمعنى أنها مترددة تهوى فى أجوافهم ليس لها مكان تستقر فيه ويحتمل أن يكون شبه الأفئدة بالهواء الذى هو الريح فى شدة الاضطراب لشدة الهول.
[14.44]
{ وأنذر الناس } يا محمد { يوم يأتيهم العذاب } يوم القيامة أو يوم الموت وهو مفعول ثان لأنذر لا ظرفه لأن يوم القيامة أو يوم الموت أعنى وقت احتضاره ليس وقتا للإنذار ولا يخفى ما فى الأمر بالإنذار بذلك اليوم من التهويل. قال الغزالى فى الإحياء إن أعلم العلماء وأعرف الحكماء ينكشف له عقبى الموت من العجائب والآيات ما لم يخطر قط بباله ولا اختلج به ضميره فلو لم يكن للعاقل هم ولا غم إلا التفكر فى خطر تلك الأحوال وما ينكشف عنه الغطاء من شقاوة لازمة أو سعادة دائمة لكان ذلك كافيا فى استغراق جميع العمر والعجب من غفلتنا وهذه العظائم بين أيدينا. { فيقول الذين ظلموا } بالشرك والمعاصى { ربنا أخرنا } أى أخر عذابنا أى العذاب الذى استوجبناه { إلى أجل قريب } بأن تردنا إلى الدنيا وتمهلنا فيها زمانا قليلا وأخر آجالنا بمدة قليلة مقدار ما نؤمن ونجيب دعوتك. { نجب دعوتك } أى دعاءك إيانا إلى التوحيد والعمل الصالح. { ونتبع الرسل } فيهما بأن نوحد كما وحدوا ونعمل كما عملوا أو نتبع دعاءهم إيانا إليهما فيقال لهم. { أو لم تكونوا أقسمتم من قبل } أى حين كنتم فى الدنيا. { ما لكم من زوال } جواب أقسمتم جاء بلفظ الخطاب على مطابقة أقسمتم ولو حكى كما قالوا حين أقسموا لقبل أو لم تكونوا أقسمتم من قبل ما لنا من زوال لأنهم كانوا فى الدنيا يقولون والله ما لنا من زوال عن حال الموت إذا متنا إلى حال البعث كما قال جل جلاله وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت أو يقولون بطرا وغرورا وسفها والله ما لنا من زوال عن الدنيا بالموت أنكروا الموت عنادا مع علمهم بأنه لا بد منه أو يقولون بلسان حالهم والله لا نموت حيث أملوا بعيدا أو بنوا مشيدا وفعلوا فعالا كأنهم لا يجازون عليها.
[14.45]
{ وسكنتم فى مساكن الذين ظلموا أنفسهم } بالشرك والمعاصى من الأمم السالفة كقوم هود وقوم صالح، والخطاب لجملة الكفار ولا يخلون من سكون مساكن الأمم السالفة ويجوز أن يريد خصوص كفار قريش ويريد بسكونهم مبيتهم ليلا فى نحو ديار ثمود إذا سافروا ويجوز أن يكون المراد بالسكون سكون النفوس واطمئنانها آخذة لمساكن الظالمين مساكن أو بايتين فيها وأخذوا لسير هؤلاء فى الكفر والمعاصى غير خائبين أن يصيبهم مثل ما أصاب هؤلاء، أما سكن بمعنى اطمئنان فيتعدى بالحرف نحو سكن فى كذا وسكن بكذا وأما سكن بمعنى أقام فأصله التعدى بقى كما فى الآية وقد تضمن معنى تبوءوا فيتعدى بنفسه تقول سكن الدار أى تبوأها أى اتخذها منزلا { وتبين لكم } الفاعل مستتر عائد إلى الفعل أى تبين لكل فعلنا بهم بسكون العين ويدل له { كيف فعلنا بهم } وقيل عائد إلى مصدر تبين، وقيل الفاعل جملة كيف فعلنا بهم وقد مر البحث فى مجىء الفاعل جملة وفعل الله بهم إهلاكه إياهم وانتقامه منهم وقرئ ونبين بالنون والرفع وعليه فالجملة مفعول به وعلق العامل بالاستفهام بمعنى أن أداة الاستفهام هى المنقلة له عن أصله الذى هو العمل فى المفرد إلى العمل فى الجملة وعلى هذه القراءة تكون جملة نبين لكم كيف فعلنا بهم معترضة أو حالا على تقدير المبتدأ أى ونحن نبين أو تقدير قد التحقيقية والمضارع فيها للحال. { وضربنا لكم الأمثال } صفات ما فعل الظالمون وما فعل بهم الجارية مجرى المثل فى الغرابة الملوح بها إلى أنكم مثلهم فى الظلم واستحقاق ما استحقوا من الهلاك.
Halaman tidak diketahui