Hamayan Zad
هميان الزاد إلى دار المعاد
{ ولله } لا لغيره { يسجد } حقيقة سجود { من فى السماوات } من الملائكة { والأرض } منهم ومن الإنس والجن { طوعا } حال الشدة والرخاء من الملائكة ومؤمنى الإنس والجن ومنافقيهما، بغير إسرار الشرك { وكرها } حال الشدة من مشركيها ومنافقيها بإسرار الشرك أو بغيره، كالموحد الذى لا يصلى إلا خوفا، ولا يقع من الملائكة عصيان، وزعم بعض أن عامتهم قد تعصى دون الخاصة وهو خطأ. فإن قلت سجود المنافق المسر للشرك ظاهر، فإنه يسجد خوفا، فما سجود المشرك كرها؟ قلت هو أن يشتد به أمر فيلتجئ إلى الله، ويكشف عنه. وإن قلت فما سجود المشرك المنكر لله؟ قلت لا سجود له، وليس مرادا فى الآية، وإن شئت فقل المراد فى السجود الانقياد فلا يخرج عن الآية شىء، لأن أجسام المؤمن والمنافق والمشرك بالمساواة أو بالجحود، أو بخصله كلها لا تمتنع مما أراد الله فيها من تصرف كإمراض وإنحال، وإسمان وترقيق وتغليظ، وتبييض وتسويد، وغير ذلك، ولأن الجسم مقربا لله وطائع له، ولو كفر القلب وعصاه، واستعمل الجسم فى المعصية، ولا يقال لو كان كذلك لكان تعذيب الجسم جورا، تعالى الله عنه. لأنا نقول إنما يتألم القلب ويتوجع دونه، ألا ترى أن المسكر لا يتوجع بما تفعله به حال السكر، كذا ظهر لى، وإن شئت فقل المراد بالسجود مطلق الخضوع والانقياد، فيتصور من بعض بالسجود على الأرض ونحوها، وبغيره، ومن بعض بغيره، من عدم الامتناع مما يتصرف فيه الله. ويجوز أن يراد بمن العاقل وغيره، على أن السجود مطلق الخضوع والانقياد كما مر آنفا، وطوعا حال على التأويل بالوصف، أى طائعين وكارهين، أو بتقدير مضاف أى ذوى طوع وذوى كره، أو مفعول مطلق بحال محذوفة، أو يطوعون طوعا، وكارهين أو يكرهون كرها، ويجوز التقدير بالإفراد فى ذلك كله نظرا إلى لفظ من، أو مفعول مطلق على حذف مضاف، أى سجود طوع وسجود كره، أو مفعول لأجله أى للطوع والكره. { وظلالهم } معطوف على من وهو جمع ظل، ومعنى سجود الظل انقياده بتصريف الله جل جلاله فيه بالمد والقصر، بحسب ارتفاع الشمس وانخفاضها بإذن الله، أو معنى سجوده تبعه لسجود الذات، أو مطلق الخضوع الشامل لذلك كله. وقال ابن الأنبارى لا يبعد أن يكون قد خلق الله للظل عقلا يسجد به، ولو كان الظل عرضا، وإن قلت هل يسجد ظل الكافر طوعا أو كرها. قلت طوعا كظل المؤمن كما ذكره الزجاج قائلا إن الكافر إذا سجد لغير الله سجد ظله لله، وعن مجاهد أنه يسجد كرها وهو مشكل، لأنه يقتضى كفر ذلك الظل وهو غير مكلف. { بالغدو } أى فى الغدو وهو جمع غداة كفتى وفتاة، إلا أن نون فتى مكسورة بعد قلب واو فعول ياء، لئلا تقلب الياء المشددة واوا، ودال الغدو مضمومة باقية على الضم لمناسبة الواو، وأصله غدو، وأدغمت الواو فى الواو، والغدات أول النهار من طلوع الشمس، وقيل إلى نصف النهار، وقيل الغدو مفرد بمعنى الغداة، وقيل مصدر أى فى وقت الغدو.
{ والآصال } جمع أصيل وهو من العصر إلى المغرب، وقيل من الزوال إلى المغرب، وقرئ والإيصال مصدر آصل بمد الهمزة فى أوله، أى دخل فى الأصيل، كأصبح دخل فى الصباح، وأمسى دخل فى المساء، والمراد وقت الإيصال، وهذه القراءة تؤيد من قال إن الغدو مصدر، والياء متعلقة بيسجد، فالغدو والآصال عائدان إلى من والظلال، وهما كنايتان عن الدوام وإن شئت فقل عائدان إلى الظلال فقط، فتعلق الباء حينئذ بمحذوف حال من الغدو والآصال، وبيسجد مقدارا رافعا للظلال، أى ويسجد الظلال حال كونها بالغدو والآصال، وعلى الوجهين الأخيرين فإنما خصص الوقتين لظهور مد الظل وقصره فيهما أكثر من مده وقصره فى غيرهما، أو لأنهما ظرفان فيدخل الوسط بوجه من الاختصار، كما يدخل وسط الثوب إذا أجذت بطرفيه. وإن قلنا الغدو من طلوع الشمس إلى نصف النهار وهو الزوال، والآصال من الزوال إلى غروبها، فقد استغرق أوقات الظل، ولا يصح أن يراد بالغدو ما بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، إذ لا ظل فى ذلك الوقت لأحد، والهاء فى الظل وظلالهم لمن يكون له الظل، وهو الإنس للقرية، أو الهاء للمجموع والمراد الإنس.
[13.16]
{ قل } يا محمد لكفار قومك { من رب السماوات والأرض } مالكهما ومدبرهما { قل الله } أى ربهما الله، لما لم يكن لهم بد من هذا الجواب أمره أن يذكره لأنه ظاهر لا يمكن أن يجادلوا فيه فلا يترقب أن يذكروه لعدم الحاجة إلى انتظاره أن يذكروه، مع أن الثابت فى قلوبهم وألسنتهم يذكرونه قبل وبعد. وإن قلت فما فائدة الأمر بالسؤال والأمر بالجواب أعنى قوله { قل الله }؟ قلت فائدته استحاضر ما هو الواقع فى نفس من أنه لا رب سواه للتأكيد، وليرتب عليه، واستبشاع اتخاذ أولياء من دونه، غيره ما لكين ضرا ولا نفعا، أو المراد قل الله إذا قالوا الله، كما تذكر جواب المجيب تثبيتا واستيثاقا، لتتمكن من الرد عليه فضل تمكن، أو المراد قل لهم الله إن سكنوا عنادا واستكبارا، عما ترد عليهم، فإنه لا جواب لهم سوى ذلك، فربما يذكرونه إذا ذكرته. وقيل لما قال لهم من رب السماوات والأرض؟ قالوا أجب أنت، فأمره الله تعالى أن يجيبهم بأن ربهم الله، وأمره أن يلزمهم الحجة بقوله { قل } لهم { أفاتخذتم من دونه } أى من دون الله { أولياء } أنصار وهم الأوثان، وإنما سماها أنصارا على زعمهم، والعطف على محذوف أى أعلمتم أن ربهم الله فاتخذتم من دونه أولياء. { لا يملكون } عبر عن الأوثاء بما يعبر به عن العقلاء، لوصفهم لها بوصف العقلاء وهو النصر { لأنفسهم نفعا ولا ضرا } أى ولا دفع ضر، فضلا عن أن ينفعوا غيرهم أو يضروه، وهذا دليل ثان على فساد رأيهم، وعلى ضلالهم إذا استنصروا من لا ينصر نفسه، ولا نفعها ولا يدفع عنها ضرا، ولا يرى ولا يسمع ولا يعلم، وهذا أمر مستبشع غاية الاستبشاع،وذلك قرن الكلام بهمزة الاستفهام التوبيخى الدال على أن العقل يكر ذلك، والدليل الأول هو قوله
وهو شديد المحال له دعوة الحق
ثم ضرب الله مثلا بقوله { قل هل يستوى } توبيخ على ادعاء الاستواء وانكارا لصحته كالاستفهام المذكور { الأعمى } المشرك الجاهل بحقيقة العبادة وبمن يستحقها، بم تستحق { والبصير } الموحد العالم بذلك كله، هذا تفسير ابن عباس بزيادة عليه، شبه المشرك بالأعمى فى كونه لا يهتدى إلى مصالحه، ولا يستطيع التحرز عن المهالك، والموحد بالبصير المهتدى لذلك المتحزر عما يهلكه، ويجوز أن يراد بالأعمى الصنم، فإنه لا يهتدى لذلك ولا يتحرز عما يهلكه، ولا يرى ولا يسمع ولا يعلم شيئا من عبادتهم إياه ولا غيرها، ولا يحيى ولا يرزق، ولا يعاقب ولا يثيب، ولا يخلق، وبالبصير الله، فإنه الغنى عن سواه، المحتاج إليه من عداه، الخالق الرازق، المعاقب المثيب، العالم بالأوقال والأفعال والأحوال. { أم } بمعنى بل التى للانتقال { هل تستوى } وقرأ حمزة، والكسائى، وأبو بكر بالمثناة التحتية { الظلمات } أراد الشرك { والنور } يعنى الإيمان، شبه الشرك بالظلمة فى عدم الاهتداء عن الهلاك إلى المصالح، والإيمان بالنور فى الاهتداء عنه إليها، ويجوز أن يراد بالأعمى والبصير من لا عين له باصرة، ومن هو باصر، فإنهما لا يستويان، فكذلك لا يستوى المشرك والموحد، وبالظلمات والنور ظاهرهما أيضا، فإنهما لا يستويان، فكذلك لا يستوى الشرك والإيمان.
{ أم } بمعنى بل التى للانتقال، والهمزة التى للإنكار، أى بل { جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه } أى خلقوا مخلوقات كمخلوقات الله تعالى، فالخلق بمعنى المخلوق، وجملة خلقوا نعت لشركاء داخل فى حكم الإنكار الذى أفادته أم، أى لا شريك له فضلا عن أن يخلق ذلك الشريك شيئا، أو يتسلط الإنكار على النعت فقط، أى لا يصح لمن جعلوه شريكا أن يخلق شيئا، فإنما جعلوا شريكا لا يخلق. { فتشابه الخلق } أى مخلوقات الله ومخلوقات الشركاء، أى اجعلوا لله شركاء خالقين الله، حتى إنه يتشابه خلقهم بخلقه، ويقولون إنهم مستحقون للعبادة كما استحقها الله تعالى، أى ليس الأمر كذلك، حتى إنه يكون خلقهم مخلوقات سببا للتشابه، ونفى الخلق عمن سواه بقوله { الله خالق كل شىء } ليدل على الوحدة والقهر المذكورين فى قوله { وهو الواحد } المتوحد بالألوهية { القهار } لمخلوقاته، الغالب لها، حتى لا يخرج شئ عما أرادوا. وإن قلت من أين استفيد نفى الخلق عمن سواه فى قوله { الله خالق كل شىء }؟ قلت من العموم، لإنه إذا كان كل شئ مخلوقا لله لم يبق شئ يكون مخلوقا لغيره، فكأنه قال لا خالق غيره، فضلا عن أن يشاركه فى العبادة التى هى إنما يستحقها من يقدر على أن يخلق، ومراده بكل شئ ما يصح أن يكون مخلوقا، فلا يدخل فى ذلك واجب الوجود، ولا أسماؤه ولا صفاته، فإنهن هو، وهو قديم لا حادث اتفاقا، وأيضا المتكلم لا يدخل فى عموم كلامه عند كثير من لأصوليين، أو عند الأكثرين منهم، ثم ضرب الله آخر للحق وأهله، والباطل وأهله، يتضمن التمثيل بشيئين الماء وما يوقد عليه فى النار بقوله { أنزل من السماء ماء... }
[13.17-18]
{ أنزل من السماء ماء } عذابا نافعا أى من جهة السماء وجهتها هى السحاب هنا، أو من السحاب نفسها، لأنها تسمى سماء، لأنها علت وأظلت، أو من السماء حقيقة على ما قيل إن الماء منها، أو مبادئ الماء منها، والسماء يؤنث ويذكر. { فسألت } جرت { أودية } جمع واد على غير قياس، وهو الموضع الذى يسيل فيه الماء بكثرة، فإسناد السيلان إليها مجاز عقلى من إسناد الحال إلى المحل، فإنه السايل الماء لا الأودية، أو استعمل الأودية بمعنى الماء من باب تسمية الحال باسم المحل، فالأودية مجاز لغوى مرسل، أو يقدر مضاف، أى ماء أودية، فالأودية مجاز بالحذف أو الأصل، فسالت أودية ماء، فحذف التمييز ونكر الأودية، لأن المطر يأتى على تداول بين الأودية، وكذا السيلان، فإن المطر لا يعم الأرض ولا يسيل فى كل واد، بل ينزل فى أرض دون أرض، ويسيل فى واد دون واد. { بقدرها } بما قدر الله تعالى لها من ماء يسيل فيها، أو القدر بمعنى القدر بإسكان الدال، أى بمقدارها الذى فى علم الله أنه نافع غير ضار، لأن الماء مثل للحق موجب أن يكون نافعا غير ضار لأراضى الناس أو بنائهم أو حرثهم أو شجرهم وغيرها، كما قال { وأما ما ينفع الناس } أو بمقدارها فى الصغر والكبر. { فاحتمل } حمل ورفع، فافتعل هنا لموافقة المجرد، أو حمل قويا فهو للمبالغة { السيل } ماء المطر الجارى فى الأودية { زبدا } جسم أبيض رقيق يتولد من الماء عند الزيادة، ويعلو عليه، هذا هو المراد عندى، قيل ويجوز أن يراد ما يحمله الماء من حشيش وأعواد ونحوهما، أو مجموع ذلك المذكور من الجسم الأبيض ونحو الحشيش { رابيا } عاليا فوق الماء، أو منتفخا، فالماء مثل للحق فى إفادته ونفعه وثابته، فكما أن الماء النازل من السماء ينتفع به أنواع المنافع شرابا وطعاما وسقيا للحرث والشجر والنبات، وبناء وغسلا للوسخ من الأرض وبدن وثوب، وغير ذلك، وثبت بعضه فى موضعه أيام ينتفع به، ويسلك بعضه فى عروق الأرض إلى العيون والآبار والقنى. كذلك الحق وهو دين الله، والقرآن ينتفع به دنيا وأخرى، ويثبت فى القلب راسخا كالنور، يتوصل به صاحبه إلى المنافع، وتحترز به عن المضار، وينكس الظلمة والغفلة عن القلب بقدر ما أوتى منه، والزبد مثل للباطل، فكما أن ذلك الزبد لا تقع فيه فى ظاهر الأمر لنا، ولو كان خلقه حكمة، ولا يثبت، فكذلك الباطل. وذكر الشيخ إسماعيل فى القناطر وغيره من العلماء، لإدخال كلام بعض فى كلام بعض أن الأرض ثلاثة أنواع، وكذا الناس إذ خلقوا منها، فأرض تنتفع بالمطر تمسكه وتنبت فينتفع الناس والدواب وغيرهم بمائها ونباتها، فكذا من علم وعمل ينتفع، وينتفع به غيره، وأرض تمسك المطر ولا تنبت فكذا، من يحفظ العلم ويتسنبط منه ولا يعمل به لو يحفظه فقط، ولا يعمل، فإنه ينتفع غيره بعلمه، كما يسقى الماء من تلك الأرض، وأرض لا تمسك الماء ولا تنبت، كذلك من لا يحفظ العلم ولا يعمل به، وأنه قد أشار إلى ذلك حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكره البخارى ومسلم
" أن مثل ما بعثنى الله به من الهدى والعلم، كمثل غيث أصاب أرضا فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلاء "
Halaman tidak diketahui