Hamayan Zad
هميان الزاد إلى دار المعاد
[12.111]
{ لقد كان فى قصصهم } أى قصص الرسل وأممهم فى السورة هذه وغيرها من القرآن، والذى فى هذه السورة بالتفصيل هو قصة الرسل يوسف وإخوته، وقيل الضمير ليوسف وإخوته، ويقوى الأول قراءة بعضهم فى قصصهم بكسر القاف على أنه جمع قصة، فإن يوسف له قصة واحدة هى ما ذكر فى هذه السورة، ولكن لا يتعين ذلك لجواز أن يسمى كل قطعة منها قصة. { عبرة } أى اعتبار وتذكر واتعاظ { لأولى الألباب } أصحاب العقول السالمة عما يصدها عن الله سبحانه وتعالى، فيعلم من ذلك القصص صدق محمد، وأن الله قادر على إعزازه وتغليبه، كما فعل بيوسف بعد مدة طويلة، ولا يخفى أن قصة يوسف مذكورة فى أوائل السورة بأنها أحسن القصص، وأن فيها آيات للسائلين، وفى أواخرها بأن فيها أو فيها وفى غيرها عبرة لأولى الألباب. { ما كان } أى القرآن سواء قرئ قصصهم بكسر القاف أو فتحها، وإذا كان بالفتح جاز وجه آخر وهو رد ضمير كان إليه، فإن القصص بالفتح مفرد كما يعلم من أوائل السورة { حديثا } كلاما { يفترى } يؤتى به كذبا. { ولكن تصديق } خبر لكان محذوفة، أى ولكن كان تصديق، وقرئ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أى ولكن هو تصديق { الذى بين يديه } أى ما بين يديه من كتب التوراة والإنجيل والزبور وغير ذلك، ومعنى كون تلك الكتب بين يديه أنها موجودة حال نزوله لا مفقود ستوجد، ولو غيروا بعضها، والعبرة بما بقى غير مغير، وبكونها كما هى، قيل التغيير الذى المراد به جنس كتب الله، والهاء لما عاد إليه ضمير كان، ومعنى كونه تصديقا للكتب السابقة أنه موافق لها، ولو خالفها لكان أحق باسم تكذيبها،إذ خالفها، إذ كان يقول فى قصة بكذا، وتقول هى فى نفس تلك القصة بخلافه، أو تصديق بمعنى مصدق بفتح الدال. { وتفصيل كل شىء } يحتاج إليه فى الدين من حلال وحرام، وحكم وقصة، وموعظة ومثل، ووعد ووعيد وغير ذلك، بعض لك بتصريح، وبعض بتلويح، وهذا إذا رجعنا الضمير فى كان للقرآن، وإن رجعناه للقصص فمعنى كونه تفصيل لكل شئ أنه تفصيل لكل شئ محتاج إليه فى الاقتصاص، ورجع الضمير للقرآن نسب بما ذكر وبقوله { وهدى } لأن كون القرآن هدى من الضلال إلى الصواب، ومن الخبر إلى الشر أظهر من كون القصة كذلك، ولو كانت القصة تفيد ذلك أيضا { ورحمة } ينال بها خير الدارين { لقوم يؤمنون } خصهم بالذكر، لأنهم المنتفعون، ولأنهم الذين يهدون ويرحمون بالفعل، لا بالإمكان والقوة فقط. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
[13 - سورة الرعد]
[13.1]
بسم الله الرحمن الرحيم { المر } قال ابن عباس معناه أنا الله أعلم وأرى، ذكره القاضى، وروى عطاء عنه أن معناه أنا الله الملك الرحمن، وقيل اسم للسورة، والصحيح عندى الوقف فى معنى ذلك ونحوه إلا برواية صحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن أراد عمار الأجنة أو الدور، ونماء التجارة وعمارة الأملاك والحوانيت المطلعة فليكتب { المر } إلى { يتفكرون } فى أربعة أوارق، ويدفن فى أربعة أركان، يكثر خيره وطلبته وقصدته. { تلك } الآيات وهى آيات هذه السورة، وأشير إليها بإشارة البعيد، لأنها لم تنزل بمرة، ولعلو شأنها حتى صارت كالشئ البعيد المسافة { آيات الكتاب } القرآن، أى آيات بعض القرآن، أو الإشارة إلى آيات القرآن كلها، ما نزل وما سينزل، فليست الإضافة بمعنى التبعيضية،كما أنها ليست كذلك إذا جعلنا الإشارة لآيات السورة، والكتاب بمعنى السورة. { والذى أنزل إليك من ربك } وهو القرآن كله { الحق } الذى مبتدأ، والحق خبره، وتعريف المسند إليه والمسند للحصر، وهو إضافى، أى هو الحق لا ما يخالفه مما يقوله قومك، وبكونه إضافيا لم تنتف الحقيقة عما ثبت بالقياس والاجتهاد، بل قد يقال هذا داخل فيما أنزل لأنه نازل ضمن ولو لم ينزل صريحا، وذلك إذا وافق أو نطق المنزل بحسن الاتباع، وهذه الجملة كالحجة على الجملة قبلها، كأنه قيل تلك آيات الكتاب لا كلام مفترى، لأنه لا ينزل إليك إلا الحق، وتلك الآيات قد اتضح نزولها ولو تعامى عنها من تعامى. ويجوز عطف الذى على الكتاب عطف عام على خاص، قبل أو صفة على أخرى، فيكون الحق نعتا لآيات ولو منفردا مذكرا على أنه مصدر نعت به، ولا يقاس عليه أو آيات يدل تلك أو عطف بيان والحق خبر تلك، وقيل الإشارة إلى الأخبار، والقصص والكتاب جنس كتب الله كالتوراة والإنجيل والزبور، والذى أنزل هو القرآن. { ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } به أنه من الله لعدم تأملهم فيه، وهو على العموم، وقيل أكثير ناس مكة، وكانوا يقولون إن محمدا يقول القرآن من تلقاء نفسه.
[13.2]
{ الله } مبتدأ { الذى } خبر { رفع السموات بغير عمد } جمع عماد أو عمود كأهب وأدم بفتح أولهما وثانيهما جمعى إهاب وهو الجلد الذى لم يدبغ وأديم وهو المدبوغ، والقياس عمد بضم العين والميم، وقد قرأ به أبى كرسول ورسل، والعمود الأسطوانة وما يدعم به السقف، ويدل على كون لفظ الجلالة مبتدأ، والذى خبره قوله { وهو الذى مد } ويجوز كون الذى صفة، ويدبر الأمر خبر أول، ويفصل الآيات خبر ثان، ويعضده ما تقدم من ذكر الآيات. { ترونها } نعت لعمد، وضمير النصب لها، والنفى المقيد به غير هو منصب على المقيد بالذات، وهو عمد، والقيد بالتبع واللزوم، وهو ترونها كأنه قيل لا ترون عمد العدم وجودها، لأن السموات غير معلقة بشئ ولا معتمدة على شئ، وهى ملتفة على الأرض من تحتها، كقشور البصل هذا هو الصحيح، وهو رواية عن ابن عباس، أو النفى منصب على القيد، أى بغير عمد ترونها، بل بعمد لا ترونها، وهى جبل قاف المحيط بالدنيا، الذى هو من زمرد أخضر، وأطراف السموات متصلة به معتمدة عليه، وهذا قول مجاهد وعكرمة، ورواية عن ابن عباس. ويجوز أن تكون جملة ترونها مستأنفة، وضمير النصب للسماء، فيوافق القول الأول، وعلى كل حال فى الآية استشهاد برؤية السموات مرفوعة بلا عمد، وبعمد غير مرئية، ولكن رفعها بلا عمد أظهر فى الاستشهاد، ولذلك اقتصر عليه القاضى إذ قال أو استئناف للاستشهاد برؤيتهم السموات كذلك، أى مرفوعة بلا عمد وهو دليل على وجود الصانع الحكيم، فإن ارتفاعها على سائر الأجسام السماوية لها فى حقيقة الجرمية واختصاصها بما يقتضى ذلك لا بد أن يكون بمخصص ليس بجسم، ولا جسمانى يرجح بإرادته بعض الممكنات على بعض، وسائر ما ذكر من الآيات على هذا المنهاج. انتهى بتصرف. { ثم استوى } استولى { على العرش } بالتدبر والحفظ، وثم بمعنى الواو عاطفة للسابق على اللاحق، أو للترتيب الذكرى بلا تراخ، أو بتراخ معنوى لازما لعلو شأن العرش، وعظم ذاته على السموات والأرض، وكذا إن قلنا استواءه على العرش استيلاءه عليه بالخلق، إذ خلقه ولم يتعاص، ففيه هذه الأوجه، أو استواءه على العرش بمعنى أنه مالك قاهر، فذلك كناية عن الملك والقهر، ولو لم يكن ثم عرش، يقول استوى فلان على السرير، تريد أنه دانت له الرقاب ولو لم يكن له سرير البتة، وهكذا رويت أن الكناية تصح إرادة لازم معناها دون معناها، وإرادتهما معا وكأنه قيل رفع السموات والأرض، وكان له الملك عليهن فثم لمجرد العطف. { وسخر الشمس والقمر } جعلهما منقادين لما يريده منهما من حركة مخصوصة فى كل زمان مخصوص، وسلامة وخسوف وكسوف، وحرارة مخصوصة فى كل زمان مخصوص فى الشمس وفى القمر أيضا، حرارة قليلة، وفى حرارتهما ولا سيما الشمس نفع عظيم، وكذا حركتها للحيوان والنبات، وسخر النجوم أيضا ولم يذكرها استغناء بذكر النجمين الأعظمين من ظهور تسخيرها، أو خصمها بالذكر لقوة نفعهما، وكثرة دورانهما، فانقيادهما أظهر فى العين، وحذف النجوم من باب الاكتفاء كذا ظهر لى.
{ كل يجرى } فى فلك { لأجل مسمى } ينقطعان عنده، وهو يوم القيامة، وقال ابن عباس مدة كونهما فى درجة مخصوصة لا تجاوزها حتى تتم مدتها انتهى بالمعنى. { يدبر } وقرأ الحسن ندبر بالنون { الأمر } ملكوته إيجادا للمعدوم، وإعداما للموجود، وإحياء لما هو غير حى، وإماتة للحى، وإذلال عزيز، وإعزاز ذليل، وإفقار غنى، وإغناء فقير ونحو ذلك مما يقضيه فى الهياكل العلوية، والهياكل السفلية، لا يشغله شأن عن شأن سبحانه لا إله إلا هو. { يفصل الآيات } التى تتلى أى ينزلها فى الكتب وبينها مفصلة، أو المعنى يحدث الدلائل واحدا بعد واحد، سواء كانت آيات تتلى أو غيرها كخسوف وكسوف، وإيجاد وإعدام { لعلكم بلقاء ربكم توقنون } أى لعلكم توقنون بالبعث والجزاء، فإن القادر على ذلك قادر على البعث، ولو لم يكن من الآيات إلا خلقه المخلوقات لعلم منه القدرة على البعث، والتيقن من صفات العلم، وفوق المعرفة والدراية وهو سكون الفهم مع ثبات الحكم وزوال الشك.
[13.3]
{ وهو الذى مد } بسط { الأرض } على الماء من تحت البيت الحرام طولا وعرضا لينتفع عليها، سواء قلنا إنها سطحية وهو الصحيح الظاهر، أو كورية الشكل كما قال أصحاب الهيئة، لأنها ولو كانت كورية لكنها لم تكن ممتدة إلى فوق امتدادا كليا كالسارية، فذلك مدها، ولأن كل قطعة منها تشاهد ممدودة لعظمها، كما أن نحو البيضة تشاهده الأشياء الصغيرة كما لقملة ممدودا قيل وكان موضع البيت على الماء قبل الأرض الأرض بألف سنة، ثم بسط الأرض من تحته، وعليه عطاء ومجاهد، وقال الحسن بسطت من تحت موضع بيت المقدس. { وجعل فيها رواسى } جبالا ثوابت من رسا الشئ أى ثبت، جمع راس كقاض بلا تاء، لأن فاعلا صفة لغير عاقل يجمع على فواعل، ولو مذكر مجردا من التاء، هذا ما ظهر لى، ولا حاجة إلى قول القاضى إنه جمع راسية، وإن التاء فى راسية للتأنيث على أنه صفة أجبل أو للمبالغة انتهى. وهذا تكلف منه يتوصل به إلى أن رواسى جمع لمؤنث وهو جماعة راسية من الجبال، والأولى أن يقول صفة جبالا، لأن الأولى فى جمع القلة لغير العاقل المطابقة، وأجبل جمع قلة، فالأولى به أجبل راسيات، وهذا لا يتمكن به إلى مراده، لأن رواسى لا يكون جمع راسيات، ولذا عدل عنه إلى راسية، ولكن الأولى له أن يقول جبال، وأول جبل وضع على الأرض أبو قبيس قاله ابن عباس رضى الله عنهما. { وأنهارا } من ماء لمنافع الخلق، قيل الجبال أسباب لتولد الأنهار، ولذلك عطفها على الجبال، وسلط عليها فعلا واحدا وهو الجعل { ومن كل الثمرات } متعلق بقوله { جعل فيها زوجين اثنين } كحلو وحامض، وأسود وأبيض ، وصغير وكبير، وماله قشر وما لا قشر له، أو ماله نوى وما لا نوى له، ونحو ذلك، قال بعضهم أهبط الله من الجنة ثلاثين ثمرة عشرة يؤكل داخلها وخارجها، وعشرة يؤكل خارجها لا داخلها، وعشرة يؤكل داخلها لا خارجها، والمراد بالزوجين الاثنين لا نوعان من كل، ثم تكاثرت وتنوعت، ويجوز كون من كل الثمرات نعتا لمحذوف ومعطوف، أى وشيئا من كل أجناس التمر وما بعده مستأنفا. { يغشى الليل النهار } أى يجعل الله سبحانه الليل غاشيا للنهار، فيصير الجو والأماكن مظلمة بعد ما كانت مضيئة، وقرأ حمزة، والكسائى، وأبو بكر بفتح العين وتشديد الشين، فعلى الأول تعدى لاثنين بالهمزة، وعلى الثانى بالتضعيف. { إن فى ذلك } المذكور { لآيات } دليل على وحدانية الله تعالى { لقوم يتفكرون } فى صنع الله، فإن وجدها مع إمكان عدمها، وكونها صغيرة مع إمكان كبرها، وكبيرة مع إمكان صغيرها، وفى مكانها مع إمكان كونها فى مكان آخر، وفى وقت مع إمكان كونها فى وقت آخر، وكون هذا فوق هذا مع إمكان العكس ونحو ذلك، مع أن الشئ لا يوجد نفسه، ولا يؤثر فى نفسه، ولو أمكن تأثير بعضه فى بعضه الآخر دليل على أن لها موجدا حكيما يتصرف بها كما تقتضيه حكمته.
Halaman tidak diketahui