Hamayan Zad
هميان الزاد إلى دار المعاد
قال إسحاق بن عبد الله بن أبى فروة كان إذا سار فى أزقة مصر تلألأ وجهه على الجدران كما يرى نور الشمس من السماء عليها، وقيل ما كان أحد يستطيع وصف يوسف، وقيل كان يشبه آدم يوم خلقه الله تعالى قبل أن يصيب الخطيئة، وقيل ورث الجمال من جدته سارة. قال كعب الأحبار رضى الله عنه إن الله تعالى مثل لآدم ذريته بمنزلة الذر، فأراه الأنبياء نبيا نبيا، فأراه فى الطبقة السادسة يوسف متوجا بتاج الوقار، ومتآزرا بحلة الشرف، مترديا برداء الكرامة، متقمصا بقميص البهاء، وفى يده قضيب الملك، وعن يمينه سبعون ألف ملك، وعن يساره سبعون ألف ملك، ومن خلفه أمم الأنبياء، لهم زجل بالتسبيح والتقديس، وبين يديه شجرة السعادة تزول معه حيث زال، فلما رآه آجم قال إلهى من هذا الذى أبحت له بحبوحة الكرامة، ورفعت له الدرجة العالية؟ قال الله تعالى هذا ابنك المتوج يا آدم انحله، قال أنحلت له ثلثى حسن ذريتى، ثم ضمه إلى صدره وقبله بين عينيه، وقال يا بنى لا تأسف فأنت يوسف.
فأول من سماه يوسف آدم ولما عصى نزع منه الجمال كله، فلما تاب رد له الثلث وتوارثه أولاده قسما بتفاوت إلا يوسف فله الثلثان الباقيان، وكان كضوء النهار على الليل أبيض اللون، حسن الوجه، جعد الشعر، مستوى الخلق، غليظ الساقين والعضدين والساعدين، أخمص البطن، أقنى الأنف، صغير الصفرة، بخده الأيمن خال أسود يزين وجهه، وبين عينيه شامة بيضاء، وكانت أهداب عينيه تشبه قوام النون، إذا تبسم رأيت النور من ضواحكه، وإذا تكلم رأيت فى كلامه شعاع النور، يتبين من ثناياه، ولا يقدر بنو آدم ولا أحد على وصفه. ويقال إنه ورث الحسن من جده إسحاق، وكان إسحاق أحسن الناس، وإسحاق بالعبرانية الضحاك، وإسحاق ورث الحسن من أمه سارة، لأن الله تعالى صورها على صورة الحور العين، ولكن لم يعطها صفاءهن، وسارة وثرت الحسن من جدتها حواء، وكان يوسف يأكل البقول والفواكه، فترى فى حلقه وصدره حتى تصل بطنه. وقال وهب الحسن عشرة أجزاء ليوسف تسعة ولسائر الخلق واحد، قال عبد الله بن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
" هبط على جبريل وقال لىيا محمد إن الله تعالى يقول لك كسوت حسن وجه يوسف من نور الكرسى، وكسوت نور وجهك من نور عرشى ".
قيل لحكيم يوسف أحسن أم محمد صلى الله عليه وسلم؟ فقال يوسف أحسن الناس، ومحمد صلى الله عليه وسلم أحسن الخلق، ويناسبه حديث جابر بن عبد الله قال نظرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه حلة حمراء، ونظرت إلى القمر ليلة البدر فهو أحسن فى عينى من القمر. وقيل معنى أكبرنه حضن له، فالهاء على نزع الخافض، يقال أكبر المرأة إذا حاضت، لأنها تخرج من الصغر بالحيض، فمعنى أكبرنه حضن لأجله من شدة اشتهاء الجماع، ويجوز على تفسير الإكبار بالحيض رجع الهاء إلى المصدر، فلا يقدر جار، ولا يجوز أن تكون للسكت، لأن هاء السكت لا تحرك، وادعاء تحركها بنية سكون الوقف تكلف، وكون أكبرن بمعنى حضن رواية عن ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، قال حضن من الفرح وأنكر الزجاج صحة أكبرت بمعنى حاضت، ولما رأينه رمن أن يقطعن الأترج أو نحوه له، أو لأنفسهن، أو رأينهن وهن يقطعن فصرن يكثرن القطع فى أيديهن دهشا منه، كما قال الله سبحانه وتعالى { وقطعن } بالتشديد للمبالغة { أيديهن } وحسبن أنهن يقطعن نحو الأترج، ولم يحسسن الألم لشغل قلوبهن به، واختلط دم الأيدى بدم الحيض على القول بأن أكبرن بمعنى حضن، ولم تبن أيديهن بالقطع، بل بقيت متصلة على الصحيح.
وقال قتادة فصلن الأيدى بالقطع، وفى ذلك مكر بهن تبكيتا لهن بما فعلن برؤيته مرة واحدة، وتجبيلا لهن إذا انتبهن، ومكر به بتهويل الأمر عليه إذا خرج وهو صغير على أربعين نسوة مجتمعات فى أيديهن الخناجر، توهمه أنهن يثبن عليه بالخناجر مع من ضم إلى ذلك من رؤيته لهن يقطعن أيديهن ولا يتألمن، فكأنهن نساء من الجن، ولم يخف شيئا من ذلك، ولم يؤثر به، بل علم أن ذلك دهش منهن به. { وقلن حاش الله } بغير ألف بعد الشين وصلا ووقفا، وقرأ أبو عمرو هنا وفيما يأتى بالألف وصلا، وإذا وقف حذفها اتباعها للخط، وروى ذلك عن اليزيدى أبو عبد الرحمن، عن أبيه، وأبو حمدون، وأحمد بن واصل، وأبو شعيب من رواية أبى العباس الأديب عنه، والأصل إثبات الألف، ولكنها حذفت تخفيفا وهو حرف يفيد معنى التبرئة لا فعل، ولكنه وضع موضع قولك تنزيها لله، حتى أن اللام بعده للبيان لعمل اللام، وأما حاش فلم تعمل هنا، وساغ ذلك لتنزيله منزلة المصدر كتنزيها، ولهذا لحقها التنوين أيضا مع أنها حرف فى قراءة أبى الشمائل حاشا لله، وقرأ ابن مسعود حاش الله بلا تنوين ولا لام، فيكون حاش جارا للفظ الجلالة، منزلا معه منزلة قولك تنزيه الله، وبراءة الله، سبحانه الله. وقرأ الأعمش حشى الله بإسقاط الألف الأولى وإثبات لام الجر، والحكم ما هو وقرأ حاش لله بإسكان الشين، حذفت الهمزة تبعا لحذف الألف وهو ضعيف لالتقاء الساكنين على غير حدة، وقرئ حاشى الإله بألفين. وإن قلت ما معنى تنزيه الله هنا؟ قلت المراد تنزيهه عن صفات العجز، وفى ذلك أيضا تعجب من قدرته تعالى على خلق مثل يوسف، وقيل المراد حاش يوسف لطاعته لله، او لمكانه من الله أن يرمى بما رمته به لأن هذا من فعل البشر وليس منهم. قال ابن هشام حاش فى الآية الآتية تنزيهية، وأنها عند المبرد وابن جنى والكوفيين فعل للتصرف فيها بالحذف، ودخولها على اللام، وأن المعنى جانب يوسف المعصية لأجل الله، ويضعف ذلك أن هذا التأويل لا يتأتى فى { حاش لله ما هذا بشر } وأن التصرف بالحذف والدخول على اللام إنما ينفيان الحرفية، ولا يثبتان الفعلية، والصحيح أنها اسم مرادف للبراءة من كذا، بدليل قراءة بعضهم حاشا الله بالتنوين كما يقال براة الله من كذا، أى فهى مفعول مطلق، وعلى هذا فقراءة ابن مسعود حاش الله بالإضافة كمعاذ الله، وليس جارا ومجرورا كما توهم ابن عطية، لأنها إنما تجر فى الاستثناء ولتنوينها فى القراءة الأولى، ولدخولها على اللام فى قراءة السبعة والجار لا يدخل على جاره.
قلت قد مر الجواب قبل هذا التعليل، قال وإنما ترك التنوين فى قراءتهم لبناء حاش لشبهها بحاش الحرفية، وزعم بعضهم أنها اسم فعل معناه أتبرأ أو برئت، وحامله على ذلك بناءها، ويرده إعرابها فى بعض اللغات انتهى. وقيل فى قراءة حاشى الله بألفين بلا تنوين أن حاشى فعل من الحشا الذى هو الناحية وفاعله ضمير يوسف، أى صار فى ناحية الله مما يتوهم. { ما هذا بشرا } آدميا، عملت ما عمل ليس لمشاركتها فى نفى الحال، وذلك لغة الحجازيين، وقرأ ابن مسعود برفع بشر بالإهمال، على لغة تميم، وقرئ ما هذا بشرى بكسر الباء وبالقصر، لكن حذفت الألف نطقا للتنوين على أن ذلك مصدر بمعنى اسم مفعول، أى ما هو بعبد مشترى لئم، أو تقدير مضاف أى ما هذا بأهل شرى، أى ليس أهلا أن يشترى. { إن } أى ما { هذا إلا ملك كريم } فإن حاله غير معهودة للبشر، إذ جمع الجمال والكمال اللذين لا يوجدان فى مثله، والعصمة البالغة مع ذلك ادعى للجمال ولكمال الداعيين إلى عدمها أسباب عدمها، كخضوع النساء لهما، ودعائهن لحاجتهن، ولأن جماله فوق جمال البشر، وإنما يفوقه فيه الملك، وذلك أن الله جل وعلا ركز فى الطباع أنه لا أحسن من الملك ولا خير منه غير عقولنا قابلة لتفضيل المؤمن الصادق لكده فى الطاعة وترك المعصية، ولا سيما الأنبياء، ولا سيما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. عن الملائكة. وخطأ الزمخشرى قائل ذلك وهو الخاطئ، وركز فى الطباع أن لا أقبح ولا شرا من الشيطان، وقرأ الحسن وغيره إن هذا إلا ملك بكسر اللام، أى ما هو عبد بل سلطان، وعلى كل حال فمعنى كريم حسن أو عظيم القدر عند الله سبحانه، ويجوز أن يكون قولهن { حاش لله } إلى قوله { كريم } وصفا بالهيبة والجلالة من جانب نور النبوة، والثبات فى الأمر، وبالرعب منه فى ذلك لا وصفا بالجمال من حيث العشق والميل للجماع، واختاره الفخر. والمشهور المتبادر المدلول عليه بالسباق واللحاق أن ذلك وصف من حديث العشق والميل للجماع، نعم يصح أن يردن ذلك كله، وأنه كالملك فى عدم الباعث للشهوة، وإنما عددن اسم الإشارة ومقتضى الظاهر أن يقلن إن هو إلا ملك كريم تلذذ بالإشارة إليه. وروى أنه خرج عليهن وهن يقطعن الأترج، ولما رأينه ظنن أنه صنم زليخا التى تعبده، وكن يسمعن به ويتمنين، وتحيرن وصرن شبه السكارى، ورمن أن يقطعن له مما فى أيديهن كما شرطت عليهم زليخا فصرن يقطعن أيديهن، وجعلت الدماء تسيل فى أحجارهن، ولا يجدن ألم القطع، ولا وقوع الدم على الأجسام، ويوسف يقول ويحكن ماذا تصنعن بأنفسكن، إنما أنا عبد من عبيد ربى، وزليخا تضحك مما ترى منهن.
ولما غاب عن أعينيهن رجعن من حبهن فقالت لهن ويحكن هذا ما صنعتن من لحظة واحدة، وأنا منذ سبع سنين أقاسى ما أقاسى، وأخدمه على أطراف البنان، ولا يعيرنى طرفة عين، لا يلتفت نحوى، فقلن لها ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم من ملائكة ربنا، وأدركهن الخجل لما انتبهن وذكرن ما لمنها به، قيل أمر الله سبحانه السكاكين أن تقطع أيديهن ليختلط دم الحيض بدم القطع لئلا يفتضحن، ولم تقطع زليخا يديها لأنها اعتادته وتناهى حبه فيها وقيل أحسسن بالدم ولم يحسسن بالألم.
[12.32]
{ قالت } زليخا لهؤلاء القائلات { امرأة العزيز تراود } إلى آخره { فذلكن } الفاء عاطفة لكلامها على كلامهن الذى هو { حاش لله } إلى آخره، أو رابطة لجواب شرط المحذوف، والإشارة إلى يوسف، وأشارت إليه بإشارة البعيد لأنها قالت بعد ذهابه عنهن وغيبته، أو قالت ذلك وهو حاضر تنزيلا لعلو شأنه فىالحسن منزلة بعد المسافة الحسية، أو أشارت إليه باعتباره فى قولهن تراود فتاها، وعلى الأولين اسم الإشارة مبتدأ والخبر هو لفظ الذى قوله { الذى لمتننى فيه } وعلى الأخير اسم الإشارة خبر المحذوف، والذى نعت أو بيان أو يدل، أى هو ذلك العبد الكنعانى الذى لمتننى فيه حين لم تشاهدنه، والكاف حرف خطاب، والنون المدغمة بدل من ميم مطلق الجماعة، والمفتوحة علامة على أن الجماعة إناث، وقيل النونان علامة على ذلك، وضمت الكاف لوقوعها قبل النون القريبة من الواو وقيل النون المبدلة من الميم التى هى أقرب إلى الواو، وكذا التاء هى ضمير فى المعنى، وأصلهما الكسر، وليس اللوم مختصا بعتاب الحضور، ولذلك سمت قولهن فى غيبتها يوما. { ولقد راودته عن نفسه فاستعصم } أى طلب العصمة بنفاره، أو من ربه، أو عالجها بجهده، فالسين والتاء للطلب أو للتأكيد، قال الصفاقصى تفسير استعصم باعتصم، أى امتنع، أو المراد لا يلزم من طلب الشئ حصوله، قلت لا إشكال لظهور أن المراد طلب العصمة فنالها، أقرت لهن بالمراودة لزوال الحياء عنها بفعلهن حين رأينه أكبر ما فعلت فى رؤية واحدة، فهن يعذرنها، وليعاونها على إلانة عريكته. { لئن لم يفعل ما آمره } هذه الهاء رابطة للصلة بالموصول على نزع الخافض، أى ما آمر به إياه، فإياه به، فهى مفعول به بواسطة الجار، والمفعول الصريح محذوف، أى ما آمره إيا عائد ليوسف، واو ذكر الجار الأوصل ضمير يوسف وقدمه، أى ما آمره به، وذلك أولى من أن تجعل الهاء المذكورة ليوسف، والرابط محذوف أى ما آمره به، ويجوز كون ما مصدرية، فالهاء ليوسف، فيقدر مضاف، أى موجب أمرى إياه بفتح الجيم أو مقتضى أمرى إياه . { ليسجنن وليكونا } بكتابة نون التوكيد الحقيقية ألفا، لأنها تقلب الألف فى الوقف، كما يكتب التنوين بعد النصب ألفا، لأنه يبدل ألفا فى الوقف نحو أكرم الله زيدا، وقرأ ليكونن بنون التوكيد الشديدة، وهو مخالف للخط، لأن الشديدة لا تبدل فى الوقف ألفا فلا تكتب ألفا. { من الصاغرين } من الأذلاء المهانين، وهو من صغر بكسر العين صغر بفتحها، توعدته بذلك وهو يسمع فى الحضرة ومن زاوية البيت، وقيل المعنى أجعله فقيرا حقيرا بنزع ما عليه من الثياب، وسلبت ما وهب له من الأموال. وروى أنه لما راودته فامتنع، قالت يا يوسف فضحتنى لأسلمنك المعذبين يعذبونك حتى يتسلل جسمك، كما سللت جسمى، فقال لها إن كنت احتقرتنى لغربتى فالله حسبى ونعم الوكيل، ولما دعتهن للضيافة فرأينه وقطعن أيديهن، وعذرنها فلن لها إن شئت راودناه لك، فقالت نعم، فجعلت كل واحدة منهن تدعوه لتراوده لزليخا بحسب الظاهر، فإذا حضر جعلت تدعوه لنفسها وتشتكى إليه بوجدها وشوقها إليه، فقال يا رب كانت واحدة وصرن جماعة، فلدعائهن إياه إلى أنفسهن قال ما ذكر الله سبحانه وتعالى عنه بقوله { قال رب السجن... }
[12.33]
Halaman tidak diketahui