Hamayan Zad
هميان الزاد إلى دار المعاد
[11.90]
{ واستغفروا ربكم } من عبادة الأصنام بأن توحدوا الله { ثم توبوا إليه } من النقص فى الكيل والوزن، ومن التطفيف، وفى الآية ما مر فى مثلها، والذى عندى أن المراد، والله أعلم، فى الآية ومثلها بالتوبة إلى الله والإقبال إلى الله سبحانه بأداء الفرائض، وترك المعاصى، لا التوبة عما مضى، لأن المشرك إذا أسلم غفرت ذنوبه التى قبل الإسلام كلها، إلا إن أريد بالتوبة عنها بعضها، والعزم على أن لا يعود بمثلها. { إن ربى رحيم } لمن تاب { ودود } أى كثير الحب له، والمراد إكثار اللطف به، والإحسان له كما يفعل المبالغ فى المودة، وهذا وعد على التوبة، وكل من الصفتين تفيد مبالغة، أما رحيم فهو صفة مبالغة من رحم المكسور الحاء الذى اسم فاعله راحم، أو صفة مشبهة، ورحم بضم الحاء المنقول من المكسور للمبالغة، وأما ودود فصفة مبالغة من الود بمعنى المحبة، والمراد اللطيف والإحسان كما مر، وقيل معناه كثير الرضا عن التائب، والإحسان إليه، والمدح له، وأجاز بعضهم أن يكون المعنى أنه يجيب التائب إلى الخلق، قلت إنما يصح هذا بطريق اللزوم، من حيث إنه إذا أحبه أدخل حبه فى القلوب لا بطريق المطابقة إذ لم يقل مودد بكسر الدال بعد الواو وتشديدها، ويجوز أن يكون فعولا بمعنى مفعول أى مودود، فيكون كناية عن فعله ما يحبه به الخلق.
[11.91]
{ قالوا يا شعيب ما نفقه } ما نفهم { كثيرا مما تقول } كوجوب التوحيد، وحرمة التطفيف، والبخس، يريدون أنهم لم يفهموا صحة ذلك لعدم ذكره دليلا عليه، وذلك لقصور عقولهم بمعاصيهم وقسوتها، وعدم تفكرهم حتى جعلوا دلائله عدما، أو قالوا ذلك استهانة به، كما تقول، لمن لم تعبأ بكلامه ما أدرى ما تقول، أو زعموا أن كلامه لا يفهم كثير منه، كهذيان وتخليط كذبا وعنادا، أو لم يفهموا ذلك منه حقيقة إذا لم يلقوا إليه أذهانهم رغبة عنه، وكراهية له. وزعم بعض أنه كان ألثغ، وهو من لا يميز الحروف، كمن يضرب لسانه من الثاء إلى السين، أو من الراء إلى اللام، ومن حرف لآخر. { وإنا لنراك فينا ضعيفا } لا قوة لك ولا عز تمتنع بهما عنا لو أردناك بسوء، وقال الحسن، وأبو روق، ومقاتل يعنى ذليلا مهينا، وقال ابن عباس، وقتادة كان أعمى، وكذا قال الزجاج قائلا إنه يقال إن حميرا يسمون الأعمى ضعيفا كما يسمى ضريرا، وذلك ضعيف، لأن حمل القرآن على لغة قريش أولى وأحق، ولأنه لا يناسب المعنى المراد، ولأن قوله { فينا } ينافيه، لأنه يقال فلان فينا ذليل أو حقير أو مهين أو نحو ذلك، ولا يقال فلان فينا أعمى أو أعور أو مريض، ولا يقال ذلك إلا لنكتة، وإلا كان كلاما ضعيفا، وكذلك يرد على القول، فإن الضعيف ضعيف البصر. ولعل مراد صاحبى القولين بيان بعض ما به وصفه بالضعف، فلا إشكال، ولا يتأتى هذا فى كلام الزجاج وأما كون الرسول أعمى أو أزمن فلا يجوز الآن حدث ذلك له بعد التبليغ، وإظهار المعجزة كذا نقول نحن، والمالكية، والشافعية، والحنبلية، والحنفية، والمعتزلة، إلا أن قياس المعتزلة ذلك على القضاء والشهادة غير مقبول لوجود الفرق بأن القضاء يحتاج فيه إلى رؤية المقضى فيه وله وعليه، والشهادة يحتاج فيها إلى رؤية المشهود عليه، وقيل الضعيف العجز عن الكشف، والتصرف، قيل ويدل على صحة القول الأول قوله { ولولا } إلى آخره، ويبحث فى هذا الاستدلال لأنه هذا أيضا يناسب العمى وضعف البصر والعجز عن الكشف والتصرف، فإن من فيه بعض ذلك سهل القتل، وإنما يمتنع من قتله لأجل رهطه مثلا { رهطك } قومك من ثلاثة إلى عشرة، وقيل إلى سبعة، وقيل رهطه عشيرته مطلقا. { لرجمناك } بالحجارة حتى تموت وهو شر القتل، أو لقتلناك بأصعب وجه برمى حجارة أو غيره، وهذا ظاهر جار الله، أو المراد مطلق القتل، وقيل اللعن والشتم وإغلاظ القول، قلت أو الهجران أو الطرد، وكل ذلك وارد فى الكلام يقبله المقام، والأول أظهر، وليس تركهم الرجم بخوفهم من رهطه لقلة رهطه كما مر، أو لأنهم ولو كانوا عشيرة كثيرة لكنهم أكثر، بل تركوه لعزة الرهط بكونهم على دينهم، لم يختاروه ولم يتبعوه.
{ وما أنت علينا بعزيز } أى وما أنت غاليا علينا، أو كريما متقدسا عن الرجم، وفى إيلاء المسند إليه حرف النفى دلالة على أن الكلام فيه لا فى المسند وهو العزة، لأن ما لنفى الحال، والحال مختص بالزمان، فالأصل أن يليها فعل ونحوه مما يدل على الزمان، ولكن لو قيل ما عززت لتوهم أن النزاع فى مجرد ثبوت العزة له وعدمه، مع أن المراد نفيها عنه، وإثباتها لرهطه، وحيث وليها اسم، ولا سيما الضمير، دل على أن التقديم بالاهتمام، فكأنهم قالوا بل رهطك هم الأعزة علينا، ولذلك قال عليه السلام فى جوابهم { قال يا قوم أرهطى }.
[11.92]
{ قال يا قوم أرهطى } بفتح الياء عند نافع، وابن كثير، وأبى عمرو، وابن ذكوان، وإسكانها عند غيرهم { أعز عليكم من الله } أغلب وأكرم، وفسره بعضهم بأهيب وهو ضعيف لبناء اسم التفضيل، وهو أهيب من المبنى للمفعول، فيسرى الضعف من جهة المعنى لكونه مأخوذا من المبنى للمفعول، وهذا إنكار منه وتوبيخ، أورد وتكذيب لأمرهم، حيث قابلوا الحجج بالسب والتهديد كما هو عادة السفيه المغلوب بالحجة، وحيث أبقوا عليه لرهطه، ولم يبقوا عليه لله، مع أنه العزيز دون الرهط، وإنما لم يقل أعز عليكم منى، إشارة إلى أن تهاونهم به تهاون بالله، وأن الله المنتصر له إذ هو رسوله قائل عنه. { واتخذتموه } أى الله { وراءكم ظهريا } جعلتموه كالشئ المنبوذ وراء الظهر، لا يعبأ به، إذ أشركتم به، وأهنتم رسوله، وخالفتم أمره، هذا هو الواضح، وعليه الجمهور، وقال قوم المعنى أنكم اتخذتم الله سند ظهورهم، وعماد آمالكم، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
" ألجأت ظهرى إليك "
وظهريا حال مؤكدة منسوب إلى الظهر بالفتح، ولكنه غير فى الكسر فى النسب، كما يقال أمسى بكسر الهمزة فى النسبة إلى الأمس بفتحها، ويجوز أن يكون مفعولا آخر من تعدد المفعول الثانى كما يتعدد الخبر، وهو أيضا مؤكد. { إن ربى بما تعملون محيط } علما لا يخفى عنه شئ فهو مجازيكم.
[11.93]
Halaman tidak diketahui