Hamayan Zad
هميان الزاد إلى دار المعاد
[11.76]
{ يا إبراهيم أعرض عن هذا } أى الجدال، فالجملة محكية بقول محذوف { إنه } تعليل جلى { قد جاء أمر ربك } قدره بهلاكهم على وفق قضائه فى الأزل، فلا ينفع دعاؤك وجدالك، وما زلت أفهم وأعتقد أن الدعاء إنما أمرنا به، فإن الله سبحانه وتعالى قضى أن فلانا يصيبه خير كذا، أو يدفع عنه شر كذا، أو أن تلك الإصابة أو الدفع إنما يكون بدعائه، وإن ذلك الدعاء واقع لا محالة، وهو أيضا جملة قضاء الله، فذلك فائدة الدعاء، مع أن القدر لا يرده الدعاء، وما لم يجب فيه المؤمن فقد عوض له فيه شئ فى الدنيا، أو فى الآخرة أو فيهما قضاء الله أن يصيبه بدعائه، فاعتبر ذلك بأنك يضربك إنسان بسيفه فترد عنك بترسك أو وقايتك، فقد قضى الله أن لا يصيبك سيف، وقضى أن سبب عدم إصابته إياك تحفظ بالترس أو الوقاية، فكذا الدعاء، حتى رأيت بعض ذلك فى النزالى ذكره فى الإحياء، وإذا تبين قضاء الله بوحى مثلا لم يجز الدعاء بما يخالفه، ولم يكن منفعة فيه، وإنما يجوز قبل تبينه، فإن الأمر مبهم ولذلك أمره بترك الدعاء والمراجعة فى أمر قوم لوط، وعللوه بمجئ أمر الله كما مر، فإن عذابه لا يرد، لأنه قضى به كما قال { وإنهم آتيهم } اسم فاعل للاستقبال خبر لأن { عذاب } فاعله كما تقول الزيدون يكرمهم الرجل، ويجوز كون الوصف فى ذلك خبرا مقدما والمرفوع بعده مبتدأ، وكونه مبتدأ والمرفوع بعده خبر والجملة خبر { غير مردود } بدعاء ولا جدال ولا بغيرهما.
[11.77]
{ ولما جاءت رسلنا } الإضافة للعهد الذكرى، فهم الملائكة الذين جاءوا إبراهيم { لوطا سئ بهم } نائب سئ ضمير لوط وبهم فضله، لأن ساء متعد أى أضر الله لوطا إذ قدر عليه الخوف، أو الأصل ساءه مجيئهم، ولما حذف الفاعل ونائب عنه المفعول جئ بضميرهم مجرور بالباء. وذلك أنهم جاءوا فى صورة غلمان مرد حسان الوجوه طيبى الرائحة، فظنهم ناسا فخاف أن يقصدهم قومه بالفاحشة فيعجز عن مدافعتهم، قرأ نافع، وابن عامر، والكسائى سئ بهم وسيئت بإشمام السين الضم هنا، وفى العنكبوت، والملك، والباقون بإخلاص الكسر. { وضاق بهم ذرعا } تمييز محول عن الفاعل، أى ضاق بهم ذرعه والذرع الذراع، ومخرج الرأس والعتق من القميص، كنى بضيق يده عن عجزه عن دفع قومه والاحتيال فيه، لأن موضع قوة الإنسان فى ذراعه حتى توسعوا فيه فقالوا فى عدم الطاقة فلان ضيق الذراع، وفيها فلان رحب الذراع، ولأن البعير يذرع بيديه فى سيره ذرعا على قدر سعة خطوه، فإذا حمل عليه أكثر من طاقته ضاق ذرعه عن ذلك، فلذا قيل الذرع مصدر مأخوذ من الذراع، أو الذرع من القميص يكون على الصدر أو قريبا منه وكنى بضيقه عن ضيق صدره، أو سمى الصدر باسمه، وظاهر كلام بعض أن الذرع يطق لغة على الصدر حقيقة لا مجازا، ويأتى كلام فى ذلك إن شاء الله، ومر كلام فى القصة، ويأتى آخر إن شاء الله. { وقال هذا يوم عصيب } شديد، من قولك عصب رأسه أى شده، كأن الشر قد ألصق وشد به، كما قال امرؤ القيس
فيالك من ليل كأن نجومه بكل مغار القتل شدت بيذبل
[11.78]
{ وجاءه قومه يهرعون إليه } يسرعو بالبناء للمفعول من أهرعه بمعنى أسرعه، كأن دافعا دفعهم وعجل بهم لعمل الفاحشة بضيفه النازل به، لما علموا بنزوله عنده، وقال مجاهد إهراعه الدابة لهرولة بها { ومن قبل } قبل ذلك الوقت، أو قبل مجيئهم، أو قبل مجئ الضيف، أو قبل نزوله، أو متعلق بقوله { كانوا } لأن التحقيق أن الأفعال الناقصة دالة على الحديث، فصح التعليق بها أو متعلق بقوله { يعملون } والمعنى أنهم من قبل ذلك كانوا يعملون { السيئات } متعودين لها غير مستقبحين لها، وهى جماع الذكور فى الإدبار، ولذلك جاءوا مجاهرين معلنين، لا يكفهم حياء، والجملة مستأنفة، أو حال ماضية، وعلى الوجهين يجوز أن يكون المراد أنهم كانوا على عهد لوط وعلمه من قبل، يعملون السيئات، ولا مانع من العطف، وإنما جمع السيئة لتكرار الجماع، أو لأن المراد بالسيئات الجماع والضرط فى النادى، وتطريف الأصابع بالحياء، والحذف بالحصى ونحو ذلك، وكانوا ألا يجامعون إلا الغرباء. { قال } لوط { هؤلاء } إشارة إلى الإناث { بناتى } فتزوجوهن، ودعوا لى أضيافى، فدى أضيافه ببناته كرما وحفظا لهم، وقد طلبوه من قبل ذلك أن يزوجهم بهن، فامتنع لكفرهم وفسقهم، وعدم كونهم أكفاء لهن، ولما تعرضوا لأضيافه سمح بهن سترا لهم، وكان حلا فى شرعه تزويج المؤمنة بالكافر، والمؤمن بالكافرة ولو صنمية، كما زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بنته من عتبة بن أبى لهب، وأبى العاص بن وائل فى أول الإسلام، ثم نزل تحريم ذلك
ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن
ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا
وذلك تفسير الحسن. ولا يقال إن للوط بنتين فقط، ولا تكفيان الجماعة فى التزوج، وأنه ليس من المروءة أن يعرض الرجل بناته على أعدائه ليتزوجوهن، فكيف يليق بنبى أن يعرض بناته على كفار؟ لأنا نقول إن الحق أنهن أكثر من اثنتين كما هو ظاهر الجمع واسمه، وأنه لا مروءة أعظم من أن يمنع أضيافه ببناته، ولا كرامة فوق ذلك، وقد حل تزوج الكافر بالمؤمنة فى شرعه، وأن المهرعين إليه كانوا على عدد بناته، أو أقل كما هو ظاهر الذى لا يعدل عنه إلا لدليل، والقوم يجوز إطلاقه على ثلاثة فصاعدا، أو يطلق على اثنين مجازا مع أنه يحتمل أن يقول ذلك على سبيل الدفع لقومه، لا على التحقيق. سلمنا أن له بنتين فقط، والجمع واقع عليهما كما قيل، لكن فى المهرعين إليه سيدان مطاعان، فلو زوجهما بهما لمنعا الباقين عن أضيافه كما قيل. وقال الحسن بن الفضل كان شرعه نكاح المؤمنة بالكافر، وإنما عرض عليهم بناته بشرط الإسلام، ولم يذكر الشرط فى الآية، أو لم يذكره لهما حينئذ استغنى بما جرى بينهم وبينه من طلبهم له أن يزوجهم بهن، وامتناعه إلا أن يسلموا، فلما عرضهن عليهم علموا أنه بشرط الإسلام.
Halaman tidak diketahui