Hamayan Zad
هميان الزاد إلى دار المعاد
{ ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله } دلائله، أو آيات القرآن، أو آيات الكتب مطلقا ، ومعنى النهيين الأمر بالدوام على عدم الكون من الممترين، وعدم الكون من المكذبين، أو ذلك مع التهييج والإلهاب، وقطع الأطماع عنه، وقيل المراد خطاب غيره، ولو كان اللفظ خطابا له، وقيل الخطاب لغيره على سبيل الشمول، وفائدة توجيه الخطاب له، وإرادة غيره فى القول الثانى، التنبيه بأنه إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم محذرا من هذا فغيره أولى بأن يتقى ذلك، فإنه قريب الوقوع فيه، وذلك لظاهر اللفظ وإلا فذلك تحذير لغيره لا له { فتكون من الخاسرين } هو فى الخطاب تابع لما قبله بأوجهه.
[10.96-97]
{ إن الذين حقت } وجبت فى الأزل { عليهم كلمة ربك } أى أقضيته أنهم أشقياء، أو مواعيده، والجمع باعتبار معدد المقتضى عليهم، والموعدين أو تعدد ما قضى على يد فرد، وأوعده ككونه يفعل كذا، وكونه من أهل النار، وإن دركته كذا، وفسره قتادة بالسخط، وبعض باللغة، وما صدق ذلك واحد وقرئ بالجمع كلمات { لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم } حين لا ينفع الإيمان على ما مر فى نظيره، فإن الله سبحانه لا يبدل القول لديه، ولا يفعل إلا ما أراد فى الأزل.
[10.98]
{ فلولا } للتوبيخ والتنديم { كانت قرية } أى أهل قرية، أو أطلق القرية على أهلها للحالية والمحلية { آمنت فنفعها إيمانها } وبخ أهل القرى وندمهم على ما فاتهم من أن يؤمنوا، فينفعهم إيمانهم، بأن يوقعوه قبل معاينة عذاب وجه إليهم، وذلك أنهم لم يؤمنوا إلا بعد المعاينة، هذا ما ظهر لى فى تفسير الآية، ولولا على الصناعة. وقرأ ابن مسعود فهلا كانت، وكذا فى مصحفه، وليست هلا التحصيصية بل التوبيخية والتنديمية، لأن التحضيض على أمر مستقبل لا ماض فائت، وقد تجعل لولا وهلا فى الآية للتحضيض على تنزيل ما مضى منزلة المستقبل، كأن أهل القرى الموتى أحياء حضهم على الإيمان وقت ينفع، ثم رأيت ابن هشام قال إنها للتوبيخ كما قلت، قال والظاهر أن المعنى على التوبيخ، أى فهلا كانت قرية واحدة من القرى المهلكة تابت عن الكفر قبل مجئ العذاب، فنفعها ذلك ، وهو تفسير الأخفش، والكسائى، والفراء، والنحاسى، ويؤيده قراءة أبى، وعبد الله بن مسعود فهلا انتهى. { إلا قوم يونس } استثناء منقطع، ويجوز أن يكون متصلا، لأن التوبيخ يقتضى عدم الوقوع، والمراد الناس فى قوله { كانت قرية } كما مر، فكأنه قيل ما كانت قرية آمنت بعد معاينة العذاب، فنفعها إيمانها إلا قوم يونس، فلمراعاة معنى النفى من التوبيخ كانت النكرة، وهى قرية للعموم، وذلك أولى من قول الهروى إن لولا هنا حرف نفى، ولا دليل له فى قراءة بعض برفع قوم على البدلية، لأن البدلية كما تجوز بعد النفى الصريح نحو ما قام أحد إلا زيد، تجوز بعد غير الصريح كقولك تغير المنزل إلا النوء والوتد، فباعتبار الظاهر يجب النصب بذكر المستثنى منه، وكذا حيث استتر ضميره، والكلام إيجاب لكن رفع نظرا إلى أن المعنى لم يبق المنزل على حاله إلا النوء والوتد. { لما آمنوا } بعد معاينة عذاب وجه إليهم { كشفنا } أنزلنا { عنهم عذاب الخزى فى الحياة الدنيا ومتعناهم } أحييناهم فى منفعة لهم دنيوية وأخروية { إلى حين } هو حين آجالهم، والأكثر أنهم رأوا العذاب، فلذلك صح استثناؤهم ممن رآه فلم ينفعه إيمانه وقيل لم يروه، وعليه فالاستثناء منقطع، وكذا هو منقطع على قول من قال إن أهل تلك القرى آمنوا بعد معاينة العذاب ووقوعه عليهم، لأن قوم يونس عاينوه، ولم يقع عليهم، لكن الظاهر أن العذاب الموجه إلى قوم لكفرهم إذ رأوه، ولو لم يقع عليهم فى حينهم، كالواقع فى أنه لا يرد، ولا تنفع التوبة إلا قوم يونس، فإن لله الحكم بما شاء، وحكمه كله حكمة وعدل. وقيل نفعتهم توبتهم بأنها قبل نزوله عليهم، بخلاف توبة فرعون، فإنها بعد المباشرة، وقيل لصدق نيتهم، بخلاف فرعون، فإن نيته لم تصدق فيما قيل إنما أراد دفع البلية الحاضرة، أو كانت فى شك كما مر.
قال صاحب عرائس القرآن وغيره لم ينسب أحد إلى أمة إلا عيسى ويونس بن متى، وقيل متى أبوه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
" لا ينبغى لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى، قال الله عز وجل { وذا النون إذ ذهب مغاضبا } ".
وكان رجلا صالحا يتعبد فى جبل كان من أهل قرية من قرى الموصل تسمى نينوى، كان قومه يعبدون الأصنام، فبعثه الله إليهم، وكان لا يصبر مع الناس، فلحق بالجبل يعبد فيه، وكان حسن القراءة تستمع الوحوش إلى قراءته كداود، وكانت تعتريه حدة، وكان قليل الصبر على قومه، قليل المداراة لهم، ولذلك نهى الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يكون مثله، لعجلة ظهرت منه، ولا تكن كصاحب الحوت. زعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " كانت فى يونس خفة وعجلة، فلما حمل أعباء النبوة تفسح تحتها تفسح الرابع تحت الحمل ". قال على بن أبى طالب بعث الله تعالى يونس إلى قومه وهو ابن ثلاثين سنة، وقام يدعوهم ثلاثا وثلاثين سنة فلم يؤمنوا، إلا رجلان روبيل وكان عالما حكيما، وبنوحا وكان زاهدا عابدا، قال ابن مسعود لما أيس منهم دعا عليهم، فقيل له ما أسرع ما دعوت على عبادى، ارجع إليهم وادعهم أربعين ليلة، فإن أجابوك وإلا فإنى مرسل عليهم العذاب، فرجع فدعاهم سبعا وثلاثين ليلة فلم يجيبوه، فقام خطيبا فيهم، فقال إنى محذركم العذاب إلى ثلاثة أيام إن لم تؤمنوا، وقيل حذرهم العذاب من أول الأربعين إن لم يؤمنوا لتمامها وآية ذلك أن تغير ألوانكم، فقالوا إنه رجل لم يجرب عنه كذب قط، فانظروا فإن بات فيكم ليلة الثالثة فليس ذلك بشئ، وإلا فاعلموا أن العذاب مصبحكم، فآمنوا قبل أن ينزل عليكم، فتغيرت ألوانهم ليلة الثالثة، فرأوا تغيرها، وخرج ولم يبت فيهم. فلما أصبحوا تغشاهم العذاب، قال سعيد بن جبير كما يغشى الثوب القبر إذ أدخل فيه صاحبه، وقال مقاتل كان فوقهم قدر ميل، وقيل أربعة أميال، وعن ابن عباس قدر ثلث ميل، وعنه ثلثى مثل، وعن قتادة، ووهب أن السماء غامت غيما أسود هائلا يرى منه دخان شديد، وهبط حتى غشا مدينتهم، واسودت سطوحهم، فطلبوا يونس فلم يجدوه، فأيقنوا بالهلاك، وبصدق يونس، فقذف الله فى قلوبهم التوبة، وألهمهم حتى خرجوا إلى الصعيد بأنفسهم، ونسائهم، وصبيانهم، ودوابهم، ولبسوا المسوح، وأظهروا الإيمان والتوبة، وأخلصوا النية، وفرقوا بين كل امرأة أو دابة وولدها، ليزدادوا ضجيجا، ويحن بعضهم إلى بعض، فعلت أصواتهم، واختلطت، وتضرعوا وقالوا آمنا بما جاء به يونس، فرحمهم ربهم، وقبل توبتهم، وكشف العذاب عنهم يوم عاشوراء يوم الجمعة، وقيل نصف شوال يوم الأربعاء.
قال ابن مسعود بلغ من توبة أهل نينوى أن ترادوا المظالم حتى كان الرجل يأتى حجرا ووضع عليه أساس بنيانه فيقلعه ويرده لصاحبه. وروى صالح المرى، عن أبى عمران الجونى، عن أبى الخلد لما غشيهم العذاب مشوا إلى شيخ من بقية علمائهم فقالوا قد نزل بنا العذاب فما ترى؟ قال قولوا يا حى حين لا حى، ويا حى محى الموتى، ويا حى لا إله إلا أنت، فقالوا ذلك، فكشف عنهم. وقال الفضيل بن عياض، قالوا اللهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلت، وأنت أعظم منها وأجل، فافعل بنا ما أنت أهله، ولا تفعل بنا ما نحن أهله، وجعل ينتظر العذاب فلم ينزل بهم، فقيل له ارجع إليهم، فقال كيف أرجع إليهم وقد وعدتهم بالعذاب ولم يعذبوا، وكانوا يقتلون من كذب.
[10.99]
Halaman tidak diketahui