Hamayan Zad
هميان الزاد إلى دار المعاد
ووهم من قال إن هذا عند قدومه المدينة من مكة مهاجرا، لأن ثنيات الوداع من ناحية الشام لا يراها القادم من مكة إلى المدينة، ولما دنا من المدينة قال
" إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا، ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم حبسهم العذر "
أى وقد نووا السير، ولما أشرف على المدينة قال
" هذه طابة، وهذا جبل أحد يحبنا ونحبه ".
[9.40]
{ إلا تنصروه } إلا هى إن الشرطية ولا النافية، لكن أبدلت النون لاما وأدغمت فى لام لا، ولذلك حذفت النون فى تنصروه، وابن مالك على جلالته فى النحو والتصريف كغيرهما من الحديث والتفسير، والفقه واللغة، والعروض، ذكر إلا هذه فى شرح التسهيل من أقسام إلا، وإنما ذلك منه على جهة الغفلة، أو زلة القلم، وجواب إن محذوف تقديره فسينصره الله وقوله { فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثانى اثنين } كالدليل عليه القائم مقامه، وذلك أن نصره حين لم يكن معه إلا رجل واحد يتضمن أنه ينصره، وقد كان معه آلاف رجل، وهذا باعتبار شأن الإنسان فى النظر إلى الوسائط، وإلا فالقلة والكثرة عند الله سبحانه سواء، أو الآية مشيرة إلى أن وجودكم وعدمه سواء، ألا ترون أنه نصره إذ لم تكونوا معه، ولم يكن معه إلا واحد، وأجاز جار الله كون قوله { فقد نصره الله } جوابا على أن المعنى فقد أوجب الله له النصر المطلق فى ذلك الوقت الذى كان فيه ثانى اثنين، فنصره فيه، وينصره فى غيره انتهى بإيضاح. وذكر النقاش أن هذه الآية أول آية نزلت من سورة براءة، وأسند الإخراج إلى الكفار، لأنه لما هم بإخراجه أذن الله له بالخروج، أو لأنهم ضيقوا عليه حتى خرج، وثانى حال، وقرىء بإسكان الياء على لغة من لا يظهر النصب فى المنقوص، وهى قراءة حكاها أبو عمرو بن العلاء، والآخر من الاثنين هو أبو بكر،
" روى أن جبريل عليه السلام، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجرة فقال " من يخرج معى؟ " قال يخرج معك أبو بكر، وطلبه أبو بكر بلا علم منه بمقالة جبريل أن يخرج معه، فقال نعم ".
{ إذ هما فى الغار } إذ بدل بعض من إذ قبله، لأن المراد بإذ قبله زمان متسع، سمى كله زمان الإخراج، والغار ثقب فى أعلى ثور، وثور جبل على يمين مكة، وهو غربى لها، بينهما مسيرة ساعة، وأل للعهد الذهنى. { إذ } بدل ثان بدل بعض، أو بدل من إذ الثانية بدل الشىء من الشىء، أو متعلق باستقرار قوله { فى الغار } أو بثانى { يقول لصاحبه } هو أبو بكر رضى الله عنه، من أنكر صحبة أبى بكر أشرك للإجماع على أنه المراد فى الآية { لا تحزن إن الله معنا } تعليل جملى، والمعنى لأن الله معنا بالحفظ،
" طلع المشركون على الغار، فأشفق أبو بكر رضى الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما ظنك باثنين ثالثهما الله " فأعماهم الله عن الغار، فما علموه غارا، وجعلوا يترددون حوله فلم يروا له فما، فهو عندهم صخرة "
، وقيل علموه غارا ورأوا فمه، لكن بعث الله حمامتين وحشيتين باضتا فى أسفله، وعنكبوتا نسج على فمه بقدر ما يظن أنه نسج لعام وهو المشهور. { فأنزل الله سكينته } الطمأنينة التى خلقها تسكن إليها القلوب، ورحمة منه سبحانه { عليه } أى على رسوله، وقيل الضمير عائد إلى صاحب وهو أبو بكر رضى الله عنه، وهو أظهر لأنه كان منزعجا فى الغار، بخلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه لم يزل ساكن النفس، مطمئنا، والجمهور على الأول وهو أنسب بما يعد ذلك فى الآية، ووجهه أنه ولو كان لم يزل ساكن النفس مطمئنا، لكنه قد تعتريه مخافة، ما أو أنه أراد أنه أنزل عليه سكينته على السكينة التى هو فيها، أو أنه أراد بالسكينة الحفظ الذى من شأنه أن يسكن إليه ساكن، أو أمرا يختص بالتبيين. ولا يخفى ما خص الله به أبا بكر، واختاره به على غيره بعد النبى صلى الله عليه وسلم، مثل جعله صاحبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فى الغار حالة الخوف لشدة صفائه فى الظاهر والباطن، وذكر صحبته فى القرآن، ومثل جعله صاحبا له فى الهجرة قبل الغار، وفيه وبعده، صعد يوما على المنبر وقال أيكم يحفظ سورة براءة؟ فقال رجل أنا، فقال اقرأ فقرأ، فلما انتهى إلى قوله { إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا } بكى وقال أنا والله صاحبه. قال الليث ما صحب الأنبياء عليهم السلام مثل أبى بكر رضى الله عنه، قال سفيان بن عيينة عاتب الله الأمة بقوله { إلا تنصروه } إلا أبا بكر فإنه خرج بقوله { إذ أخرجه الذين كفروا } الخ، وليس كذلك، فإن المعاتبة إنما هى لمن تخلفه، ومثل عدم تخلفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سفر ولا حضر، هو مثل نفعه لرسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه وماله ونيته، وقد ذكر بعض العلماء أنه ثانى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى أكثر الأحوال كالإمامة والتوبة. ومثل كونه أول من آمن عند بعض، وقيل على، وقيل خديجة، وقيل راهب، وعلى يده آمن عثمان، وطلحة، والزبير، ومثل كونه ما يقف رسول الله صلى الله عليه وسلم فى موقف من غزواته إلا وأبو بكر معه فى ذلك الموقف، ومثل كون الله ثالثهما، ومثل ذكره بخصوصه بإنزال السكينة عليه مع عموم إنزال السكينة على المؤمنين إياه على ما مر. وعن عمر رضى الله عنه وددت أن عملى كله مثل عمل أبى بكر يوما واحدا من أيامه، وليلة واحدة من لياليه، أما يومه فيوم منعت العرب الزكاة فقال لو منعونى عقالا لجاهدتهم عليه، فقلت يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم تألف الناس وارفق بهم، فقال لى أجبار فى الجاهلية خوار فى الإسلام، أنه قد انقطع الوحى، وتم الدين، أينقص وأنا حى، وأما ليلته فليلة سار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغار، ودخل قبله ليتلقى ما فيه من ضر وكسحه، وشق إزاره وسد به ثقبات، وبقيت واحدة فألقمها رجله ، ثم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ادخل فدخل، فوضع رأسه فى حجره، ولدغ فى رجله من الثقبة، ولم يتحرك مخافة أن ينتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم فسقطت دموعه على وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال " مالك يا أبا بكر؟ " فقال لدغت فداك أبى وأمى، فتفل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهب ما يجده وعادت عليه هذه اللدغة، وكانت سبب موته ليموت شهيدا، أو مما لا ينسى لأبى بكر مفارقته الرياسة التى هو فيها فى طاعة الله ورسوله، وفى الكفر مدة وإباء.
Halaman tidak diketahui